الدليل الرابع: أن الله تعالى هو الذي أبدع السماوات والأرض على غير مثال، وخلق الوجود كله الأرض والسماء والأحياء فهو الذي ذرأ من في السماوات والأرض، وكلهم عبيده، كما قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ، فكيف يكون له ولد، وأنه إذا كان له ولد، فإنه يكون من جنسه، ويكون من مثله والله المبدع للوجود والخالق منزه عن أن يكون بعضه من الحوادث والولد بعض أبيه وبضعة منه.
وقد أشار سبحانه إلى هذا بقوله تعالى: (بَدِيع السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) وبديع بمعنى مبدع أي منشئ على غير مثال سبق، وقد أخذ بعض المفسرين من هذا دليلًا
على أنه لَا يمكن أن يكون الإبداع متفقا مع اتخاذ الولد، فقد قال الراغب في ذلك:"إن الأب هو عنصر للابن منه تكون، والله مبدع الأشياء كلها فلا يمكن أن يكون عنصرا للولد، فمن المحال أن يكون المنفعل فاعلاً"اهـ.
وإن هذا بلا ريب يتنافى مع الإبداع.
وإن الذين قالوا: إن الله اتخذ ولدا قالوا: إنه نشأ عنه ملازما له، كما ينشأ الضوء من الشمس وكما ينشأ النور من السراج، أي أنه نشأ من الموجد الأول نشوء المعلول من علته والمسبب عن سببه، وهم قالوا ذلك آخذين له من الفلسفة، وهي الأفلاطونية التي تتوافق مع النصرانية تمام التوافق، وهي بعد أن حرفت عما جاء به المسيح عليه السلام كما هي والأفلاطونية الحديثة على سواء.
فهم يقولون: إن الله ليس فاعلا مختارا وإنما نشأ الولد نشوء المعلول عن العلة؛ ولذلك كان رد الله تعالى عليهم بإثبات ملكه وقدرته على الخلق والتكوين، وأنه أبدع السماوات والأرض بإرادته رَدٌّ لكفرهم وضلال عقولهم، وأوهامهم الباطلة، التي ضلوا بها، وأضلوا الناس بالدعوة إلى تصديقها.
ولقد بين سبحانه إرادته المختارة بأنه مبدع السماوات، وبقوله تعالى: (وَإِذَا قَضي أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) أي أنه إذا أراد خلق شيء ممكن قال له كن فيكون.
والواو عاطفة والمعطوف عليه بديع السماوات والأرض،"بديع"صيغة مبالغة بمعنى مبدع فهي في معنى الفعل؛ ولذا صح عطف الفعل عليها، أو عطف الجملة الفعلية عليها.