ذكر الله سبحانه وتعالى ما يتوهمه أهل الكتاب وما يجري بينهم من خلاف يكَفِّرُ فيه بعضهم بعضا، وأن المشركين يفعلون مثل فعلهم، ويقولون مثل قولهم، بعد ذلك ذكر أمرًا حدث من أهل الكتاب ومن المشركين معا، وقد جمعتهم الأماني الكاذبة كما جمعهم الاعتداء على بيوت الله تعالى التي خصصت لعبادته.
فقد وقع ذلك من اليهود والنصارى إذ يمنعون غيرهم من المسجد الأقصى حتى دمره المتمردون من المغول والرومان والنصارى، منعوه أيضا بعد أن دخل قسطنطين وحرف النصرانية في مجمع نيقية على ما هو معروف، والمشركون منعوا المسلمين من حج بيت الله الحرامِ وصدوا المسلمين في الحديبية. فالمنع من المساجد. وقوله تعالى:
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) ."مَن"هنا للاستفهام بمعنى إنكار الوقوع أي النفي، فالمعنى لَا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيه اسمه، فقوله: (أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) بدل من المساجد، والمنع إنما هو من أن يذكر فيها اسمه وأضيف إلى المساجد للإشارة إلى أن ذلك اعتداء عليها، والاعتداء عليها اعتداء على الله سبحانه وتعالى؛ لأنها مساجد الله تعالى؛ إذ قد خصصت لعبادته سبحانه وتعالى، ومنع أن يذكر فيها اسمه، منع من ذكر الله تعالى وهو أكبر الآثام.
ثم المنع أهو من مسجد واحد، أم منع من مساجد متعددة، أو حكم عام - وهو الظاهر - أم ذكر لوقائع معينة؟ قال بعض العلماء، وعلى رأسهم ابن جرير الطبري: إن المراد مسجد واحد، وهو المسجد الأقصى، إذ منع النصارى الصلاة وذكر الله فيه، وخربوه بعد أن حرفوا النصرانية ودخلوا في الديانة المحرفة.