الْمَفْعُول كما في الوجه الأول وحِينَئِذٍ لا بد من اعتبار ضمير في إضافة الصّفَة إلَى
الْمَوْصُوف ويكون صفة جرت عَلَى غير من هي له كحسن الوجه والتَّفْصيل الجاري فيه جار
هنا من أن السَّمَاوَات في الأصل فاعل البديع وإن صار بعد الْإضَافَة مشبهًا بالْمَفْعُول
منصوب المحل به لما قاله النحويون من أنه يعتبر في الصّفَة ضمير بعد الْإضَافَة لئلا يخلو
عن الْفَاعل لفظًا لكن ذلك إنما يحسن فيما يصح أن يوصف الْمَوْصُوف به كل حسن الوجه
حيث يصح اتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية، وإنما يصح كثير
الإخوان لاتصافه بأنه متقو بهم، فعلى هذا لا يصح بديع السَّمَاوَات لامتناع اتصافه بذلك إلا
إذا أريد مبدع لهما وذلك صحيح إلا أن من قال إنه بمعنى المبدع لم يرد هذا الْمَعْنَى بل إنه
فعيل بمعنى المفعل، كذا نقل عن النحرير التفتازاني يريد أنه إذا كان الصّفَة الْمَذْكُورة بحيث
يقتضي اعتبار صفة أخرى تصلح للمَوْصُوف كما في زيد كثير الإخوان يحسن ذلك وإلا فلا
كما في زيد أسود البقرة فإنها لا تستلزم ثبوت الملك للمَوْصُوف، وما نحن فيه يستلزم كون
السَّمَاوَات والْأَرْض عَلَى شكل رشيق وحسن أنيق كون الْمَوْصُوف مبدعًا؛ إذ لا بد للمَفْعُول
من فاعل له والبرهان الساطع قد دل عَلَى أن ليس له فاعل سوى الله تَعَالَى؛ ولذلك اكتفى
في تقرير الحجة بذكر قوله والله سبحانه مبدع الأشياء كلها إشَارَة إلَى كلا الوَجْهَيْن كونه
بمعنى المبدع أو كونه بمعنى يستلزم كونه مبدعًا، ثم إنه يمكن حمل كلام خسرو عَلَى ما
نقلناه سابقًا عَلَى هذا الْمَجَاز، لكن لا يلائم هذا قوله، وقد اعترف صاحب الكَشَّاف الخ. فتدبر.
والحاصل أن كون فعيلًا بمعنى مفعلا اسم الْفَاعل مما اختلف فيه أئمة اللغة، والمص اختار
هنا كونه بمعنى مفعلًا، وفيما سبق لم يذهب إليه بل حمله عَلَى الْمَجَاز، وصاحب الكَشَّاف لم
يرض به في الموضعين، والظَّاهر أن ما اختاره صاحب الكَشَّاف أشد قولًا وأقوى بيانًا.
قوله: (من يدع) أي حسن وفاق.
قوله: (فهو بديع) أي حسن كقولهم ظرف فهو ظريف.
قوله: (وهو حجة رابعة) لإبطال مقالتهم الباطلة.
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وهو حجة رابعة. أقول: فيه نظر لأن الحجج المتقدمة إنما قامت لنفي كون ما في
السَّمَاوَات والْأَرْض أن يكون ولدًا له سبحانه بل أصل المقصود نفي كون الْمَلَائكَة وعزير والمسيح
أولادًا له تَعَالَى، فإن الآية نزلت لإبطال قولهم الْمَلَائكَة بنات الله وعزير ابن الله والمسيح ابن الله.
وهذه الحجة تنفي كون نفس السَّمَاوَات والْأَرْض أن تكون ولدًا له تَعَالَى فلم تكن هذه الحجة في
سلك تلك الحجج المتقدمة بل كانت هي حجة مستقلة مثبتة لمطلوب آخر غير المطلوب الذي
أقيمت تلك الحجج لإثباته فَكَيْفَ تكون هي رابعتها، وأَيْضًا الاحتجاج هنا وهناك إنما هُوَ لكون
الكل بخلقه وإيجاده تَعَالَى فهو هُوَ لا مغايرة بين مدلوليهما إن قال هناك. والْمَعْنَى أنه خالق ما في
السَّمَاوَات والْأَرْض فمن أين يكون هذا حجة أخرى حتى تكون رابعة الحجج، فالأولى أن يجعل هذا
مقررًا لذاك.
قوله: المنفعل بالرفع صفة عنصر.