والقنوت أيضًا: الطاعة، وقال عكرمة في قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} القانت: المطيع، وقال الزجاج مثله، قال: والمشهور في اللغة أن القنوت الدعاء، وحقيقة القانت: أنه القائم بأمر الله، والداعي إذا كان قائمًا خُصَّ بأن يقال له: قانت، لأنه ذاكر لله وهو قائم على رجليه، فحقيقة القنوت: العبادة والدعاء لله في حال القيام.
ويجوز أن يقع في سائر الطاعة؛ لأنه إن لم يكن قيام بالرجلين فهو قيام بالشيء بالنية.
قال ابن عباس في هذه الآية: قوله: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} راجع إلى أهل طاعته دون الناس أجمعين.
وهو من العموم الذي أريد به الخصوص، وهذا اختيار الفراء، وطريقة مقاتل ويمان إلا أنهما قالا: هذا يرجع إلى عُزير والمسيح والملائكة، أراد: أنهم كلهم عباد الله طائعون، نظيره: قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] .
وقال السُدي ومجاهد والزجاج: هذا على ما ورد من العموم، فقال السدي: هذا في يوم القيامة، تصديقه قوله: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ} [طه: 111] .
وقال مجاهد: إن ظِلالَ الكفار تسجد لله وتطيعه. دليله قوله: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} [النحل: 48] ، الآية، وقوله: {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .
وقال الزجاج: كل ما خلق الله في السماوات والأرض فيه أثر الصنعة فهو قانت لله، ودليل على أنه مخلوق. والمعنى: كل له قانت، إما مُقِرّ بأنه خالقه؛ لأنه أكثر من يخالف ليس يدفع أنه مخلوق، وما كان من الجمادات فأثَرُ الخلق بيِّنٌ فيه، فهو على العموم.
وقال غيرهُ: طاعة الجميع لله تكونهم في الخلق عند التكوين إذا قال: كن كان كما أراد، فنسب القنوت إليه كما نسبت الخشية إلى الحجارة، والمحبة إلى الجبال، والشكوى إلى الإبل، والسجود إلى الأشجار.