وقوله: {وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} إلخ كشف لشبهة النصارى واستدلال على أنه لا يتخذ ولداً بل يكوِّن الكائنات كلها بتكوين واحد وكلها خاضعة لتكوينه وذلك أن النصارى توهموا أن مجيء المسيح من غير أب دليل على أنه ابن الله فبين الله تعالى أن تكوين أحوال الموجودات من لا شيء أعجب من ذلك وأن كل ذلك راجع إلى التكوين والتقدير سواء فِي ذلك ما وجد بواسطة تامة أو ناقصة أو بلا واسطة قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} [آل عمران: 59] فليس تخلق عيسى من أم دون أب بموجب كونه ابن الله تعالى.
و (كان) فِي الآية تامة لا تطلب خبراً أي يقول له: إيجد فيوجد.
والظاهر أن القول والمقول والمسبب هنا تمثيل لسرعة وجود الكائنات عند تعلق الإرادة والقدرة بهما بأن شبه فعل الله تعالى بتكوين شيء وحصول المكون عقب ذلك بدون مهلة بتوجه الآمر للمأمور بكلمة الأمر وحصول امتثاله عقب ذلك لأن تلك أقرب الحالات المتعارفة التي يمكن التقريب بها فِي الأمور التي لا تتسع اللغة للتعبير عنها وإلى نحو هذا مال صاحب"الكشاف"ونظره بقول أبي النجم:
إذ قالتتِ الأنساعُ للبطن أَلحق ... قُدْما فآضت كالفَنيق المُحْنَق
والذي يعين كون هذا تمثيلاً أنه لا يتصور خطاب من ليس بموجود بأن يكون موجوداً فليس هذا التقرير الصادر من الزمخشري مبنياً على منع المعتزلة قيام صفة الكلام بذاته تعالى إذ ليس فِي الآية ما يلجئهم إلى اعتبار قيام صفة الكلام إذ كان يمكنهم تأويله بما تأولوا به آيات كثيرة ولذلك سكت عنه ابن المنير خلافاً لما يوهمه كلام ابن عطية. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 1 صـ 669 - 670}