دائم اللهو والمطايبة، سمعت بعض أهل أصحاب عمى يقول: كان يأتى إليه الغلام وما به شىء فيريه نبضه فيقول له: تصلح لك الهريسة، وما زال يخدم ملازما للعم إلى حين نزول الحادث الملم فآلى ألّا يقيم بالعراق بعده وآثر على قربه منها بعده، وركب مطية الغسق إلى دمشق وأقام بها إلى أن أتاه الأجل المحتوم والقدر المعلوم. فأقول: الحكيم أبو الحكم حكم له بالحكم [1] ولم يمنعه حكمه وحكمته عن الجرى في ميدان الهزل والجمع في نظمه [بين السخف والفضل و] [2] بين الإبريسم [3] والغزل، ولم يميز في شعره حلاوة العمل من مرارة الغزل [4] بل مزج السخف بالظّرف، ولم يتكلّف مكابدة النّقد بالصرف، فخلط المدح بالهجو وشاب الكدر بالصفو. ونظمه في فنه سلس وللقلوب مختلس، ومقطعاته مقطعات للأعراض مفوّقات إلى أغراض الأعراض إذا جال في مضمار القريض الطويل العريض يؤمن عثاره ولا يشق غباره،
(1) الحكم: العلم والفقه والحكمة قال تعالى منوها بداود عليه السلام «وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب» ومنوها بيوسف عليه السلام «ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما» ، وفى موسى عليه السلام: «ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما» .
(2) فى الأصل في نظمه السخف بين الإبريسم والزيادة يقتضيها السياق.
(3) الإبريسم: الحرير قبل أن تخرقه الدود.
(4) هكذا بالأصل ولعلها: «ولم يميز في شعره بين حلاوة الغزل ومرارة الغزل» والغزل بالمعنى الأول هو التحبب إلى النساء والإشادة بجمالهن، وبالمعنى الثانى فتور كلب الصيد وذلك بأنه يطلب الغزال حتى إذا أدركه ووقف الغزال من شدة خوفه انصرف عنه الكلب لاهثا. ولعل العبارة بهذه الصيغة تتسق مع أسلوب العماد المشغوف بالجناس.