ومن حزنى [1] لا أستسقى له الغمام فماله [حاجة] [2] بجوده، ولا ثرى تروى به تهائمه ونجوده، فقد آليت ألّا أودع الريح تحيّة، ولا يورثنى هبوبها أريحية، فهى التى أثارت من الموج حنقا، ومشت عليه خببا وعنقا [3] حتى أعادته كالكثبان، وأودعته فيه قضيب بان، فيا عجبا للبحر ختل شكله [4] وللدهر كيف حمل ثكله، ووا أسفا لزلال غاض في أجاج [5] ولسلسال فاض عليه بحر عجاج، وما كان إلا جوهرا ثاب إلى عنصره، وغاب عن عين مبصره، لقد آن للحسام أن يغمد ويسام [6] وللحمام، أن يبكيه بكل أراكة وشام [7] ، وللعذارى أن لا يحجبهن الخفر والاحتشام، ينحن فتى ما ذرّت الشمس إلا ضر أو نفع، ويبكيه من لم يدع فقده للأنس المنتفع، صديق ما حمدت فيه الأيام حتى ذممتها، ولا بنيت به أركان المنى حتى هدمتها، ولو غير الحمام زحف إليه جيشه، أو سوى البحر زحف عليه ارتجاجه وطيشه، لثنى من شدته من يتهبّبه ليث الشرى ويرهبه البطل الباسل إذا استشرى، من كلّ أروع إن عجل إليه المكروه ثبّطه أو جاءه الشر تأبّطه، لكنه الموت لا ترده الصوارم ولا الأصل، ولا يفوته ذباب لفظ العسل [8] .
(1) وردت الكلمة مهملة فأعجمناها بما يناسب المقام.
(2) زيادة يقتضيها السياق.
(3) الخبب والعنق: ضربان من السير السريع.
(4) خدع شبيهه في الكرم والسخاء.
(5) رجلى عذب الأخلاق والسجايا غرق في بحر مالح أجاج.
(6) يسام: يغالى به في السوم ولعله يقصد بذلك رثاءه والإشادة بأخلاقه الكريمة، ولعلها يشام أى يتصلع إلى مآثره ومفاخره.
(7) الأراك شجر السواك، والبشام: شجر عطر الرائحة يسود بورقه الشعر ويستاك بقضبانه، قال ابن خفاجة:
وكان لنا البشام مراح أنس ... فماذا بعدنا فعل البشام؟
(8) الذباب الذى يلفظ العمل وهو النحل.