بعضه في بعض، حتى يستوى منه الطول والعرض، فإذا تشوّفت [1] الفار في جحرها، وأشرقت بنحرها وصدرها، دبّ إليها دبيب الصّل [2] ، وامتد نحوها امتداد الظل، ثم وثب في الحين عليها، وجلب الحين إليها [3] فأنخنها جراحا، ولم يعطها براحا، فصاحت من شدة أسره، وقوّة كسره، وكلما كانت صيحتها أمدّ، كانت قبضته عليها أشد، حتى يستأصل أوداجها فريا، وعظامها بريا، ثم يدعها مخرجة الذّماء [4] ، مضرّجة بالدماء وإن كان جرذا مسنا، لم يضع عليه سنّا، وإن كان درصا [5] صغيرا فغر عليه فاه وقبض مترفقا على قفاه، ليزداد منه تشهيّا، وبه تلهّيا، ثم يتلاعب به تلاعب الفرسان بالأعنّة، والأبطال بالأسنّة، فإذا أوجعه عضا، وأرعبه رضا، أجهز في الفور عليه، وعمد بالأكل إليه، فازدرد منه أطيب طعمه، واعتقده أهنأ نعمة، ثم أظهر بالالتحاق شكره، وأعمل في غيره فكره، فرجع إلى حيث أثاره، ويتبع آثاره، راجيا أن يجد في رباعه، ثانيا من أتباعه، فيلحقه بصاحبه في الردى، حتى يفنى جميع العدا، وربّما انحرف عن هذه العوائد، والتقط الفتات من حول
(1) تشوف: تطلع.
(2) الصل: الثعبان.
(3) الحين «بكسر الحاء» : الوقت والحين «بفتح الحاء» : الهلاك.
(4) الذماء: بقية الروح.
(5) الدرس (بفتح الدال وكسرها) ولد الفأر وولد الأرنب.