وأحلّ ذمام ذمائهم [1] وطلّ حرام دمائهم [2] ، وطلوا بنجيع طلاهم [3] ، وعلوا بكأس البؤس [4] بعد رفيع علاهم، وحلّيت ترائبهم [5] بالتّرب عاطلين من حلاهم، وخلّيت مطالبهم من النّجح لما عراهم، من جور الزمان وعلاهم، وقتل ولداه بين يديه صبرا، وقام ليصلى فبادروه وكسفوا منه بدرا [6] ، وصار لأشلائهم بطن النّسر قبرا، ولم يقبل كسرهم بعدها جبرا وهذه عادة الأيام، غمّة مصيبتها بالغمّ صائبة الغمام، وحمى حماتها المصون مبتذل بيد الحمام، فمن شعره ما كتبه [7] إلى يحيى المنصور أخيه، وقد بلغه أنه ذكر بسوء في ناديه [8] :
فما بالهم لا أنعم الله بالهم
ينوطون بى ذاما وقد علموا فضلى [9]
(1) الذماء: بقية الروح في المذبوح.
(2) طل دمه: أهدره.
(3) طلوا: دهنوا الطلا (بضم الطاء) : الأعناق.
(4) عله: سقاه مرة ثانية.
(5) الترائب: عظام الصدر.
(6) فى الأصل: وكشفوا منه بدرا، وهو تحريف.
(7) حينما توفى المظفر سنة 461قام بالأمر بعده في بطليوس ابناه يحيى المنصور وعمر المتوكل وشبت نار الفتنة بينهما واستعرت نيرانها، وانتهز الأفرنج هذه الفرصة فاستولوا على أطراف البلاد، ومال يحيى إلى موالاة بنى ذى النون، ومال عمر المتوكل إلى موالاة المعتمد ابن عباد واستمر النزاع قائما بين الأخوين حتى توفى يحيى فجأة سنة 464.
(8) كتب المتوكل مقدمة نثرية لقصيدته أوردها ابن بسام في الذخيرة: «القسم الثانى المخطوط ص 1399، يقول فيها: كل صديق أيدك الله إذا خاطب صديقه فأغرب ما يطنب به عليه، ويسهب فيه لديه، أن يقول: أنا كأخيك، محبة فيك فإذا كتبت إليك، فأى غريبة أورد عليك، ونحن منتهى كتب المخاطبين وغاية آمال المتحابين غير أنه جرى في ناديك، لا زال معمورا بمعاليك، أنى أبيع الأحرار والحرائر، وأستصغر المعاصى والكبائر، والله تعالى قد نزهنى عن هذا وأبعدنى عنه فلا قدرة لبشر أن يليطه بى وبدنينى منه
(9) فى الذخيرة والقلائد ينيطون بى ذما، ناطه ينوطه: علقه.