ومنها في وداعه:
فخذ السانح من عفوي، وتجاوز لمقتي وصفوي، ثم متعني بفكري فقد رجع فليلا، ودع لي ذهني عسى أن يتودع قليلا، وإنّي وقد أضله من بينك الشغل الشاغل، وردعه [1] من قربك الظّل الزائل، ولا أنس بعدك إلا في تخيل معاهدك، وتذكر مصادرك النبيلة ومواردك، فسر في أمن السلامة محافظا، وتوجه في ضمن الكرامة مشاهدا بالأوهام ملاحظا، رعاك الله في حلك ومرتحلك، وقدمت على السني من متمناك والمرضي من أملك، بمن الله وفضله.
وكتب إليهما الفقيه الحافظ أبو الفضل ابن عياض [2] في ذلك:
قد وقفت أعزكما الله على بدائعكما الغريبة، ومنازعكما [البعيدة] [3]
القريبة، ورأيت ترقيكما من الزّهر إلى الزّهر، وتنقلكما من الدّراري بعد الدّر، فأبحتما حمى النجوم، وقذفتماها من ثواقب افهامكما بالرجوم، وتركتماها بعد الطلاقة ذات وجوم، فحللتما بسيطها غارة شعواء، لها عوت أكلب العواء، هناك افترست الفوارس، ولم تغن عن السماك الداعس، وغودرت النثرة نثارا، وأغشى لألأؤها نقعا مثارا، كأن لكما عندها [4]
ثأرا، وأشعرت الشعريان ذعرا، وقطعت إحداهما أواصر الأخرى، فأخذت بالحزم منها العبور، وبدرت خيلكما وسيلكما بالعبور، وحذرت اللحاق عن أن تعوق، عن منحنى العيّوق. فخلفت أختها تندب الوفاء، وتجهد جهدها في الاختفاء، وكأن الثريا حين ثرتم بقطينها، اتقتكم بيمينها، فجذذتم بنانها، وبذلتم للخضيب أمانها، فعندها استسهل سهيل الفرار، فأبعد بيمينه القرار، وولّى الدبران إثره مدبرا، فذكر البعاد فوقف متحيرا، وعادت العوائد
(1) القلا: ودعه
(2) سيترجم له العماد في هذا الكتاب (انظر الفهارس) .
(3) التكملة من القلا.
(4) القلا: قبلها