هذا الاختلاف يمثل لنا طلاقة قدرة الله سبحانه فِي الخلق على غير مثال .. فكل مخلوق يختلف عمن قبله وعمن بعده وعمن حوله .. مع أنهم فِي الشكل العام متماثلون .. ولو أنك جمعت الناس كلهم منذ عهد آدم إلي يوم القيامة تجدهم فِي صورة واحدة .. وكل واحد منهم مختلف عن الآخر .. فلا يوجد بشران من خلق الله كل منهما طبق الأصل من الآخر .. هذه دقة الصنع وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:"بديع".. والدقة تعطي الحكمة .. والإبراز فِي صور متعددة يعطي القدرة .. ولذلك بعد أن نموت وتتبعثر عناصرنا فِي التراب يجمعنا الله يوم القيامة .. والإعجاز فِي هذا الجمع هو أن كل إنسان سيبعث من عناصره نفسها وصورته نفسها وهيئته نفسها التي كان عليها فِي الدنيا. ولذلك قال الحق سبحانه:
قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)
(سورة ق)
إذن الله سبحانه وتعالى بطلاقة قدرته فِي الإيجاد قد خلقنا .. وبطلاقة قدرته فِي إعادة الخلق يحيينا بعد الموت .. بشكلنا ولحمنا وصفاتنا وكل ذرة فينا .. هل هناك دقة بعد ذلك؟. لو أننا أتينا بأدق الصناع وأمهرهم وقلنا له: اصنع لنا شيئا تجيده. فلما صنعه قلنا له: اصنع مثله. إنه لا يمكن أن يصنع نموذجا مثله بالمواصفات نفسها؛ لأنه يفتقد المقاييس الدقيقة التي تمده بالمواصفات نفسها التي صنعها. إنه يستطيع أن يعطينا نموذجا متشابها ولكن ليس مثل ما صنع تماما. لكن الله سبحانه وتعالى يتوفى خلقه وساعة القيامة أو ساعة بعثهم يعيدهم بمكوناتهم نفسها التي كانوا عليها دون زيادة أو نقص. وذلك لأنه الله جل جلاله لا يخلق وفق قوالب معينة، وإنما يقول للشيء: كن فيكون.