وقال غيره: التخصيص يكون بالنسبة إلى السبق ، لما لم يسبق أحد إلى مثله ، حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم ، سالكاً طريقتهم فِي ذلك ، وهذا يؤول معناه إلى السبق فِي المانعية ، أو الافترائية.
وهذا كله بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي ، وعجمة فِي اللسان يتبعها استعجام المعنى.
وإنما هذا نفي للأظلمية ، ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية ، لأن نفي المقيد لا يدل على نفي المطلق.
لو قلت: ما فِي الدار رجل ظريف ، لم يدل ذلك على نفي مطلق رجل ، وإذا لم يدل على نفي الظالمية لم يكن تناقضاً ، لأن فيها إثبات التسوية فِي الأظلمية.
وإذا ثبتت التسوية فِي الأظلمية لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر ، لأنهم يتساوون فِي الأظلمية.
وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن منع ، وممن افترى ، وممن ذكر.
ولا إشكال فِي تساوي هؤلاء فِي الأظلمية.
ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر.
كما أنك إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد ، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر ، بل نفي أن يكون أحد أفقه منهم.
لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ، وسعى فِي خرابها ، ولم يفتر على الله الكذب ، أقلّ ظلماً ممن جمع بينهما ، فلا يكون مساوياً فِي الأظلمية ، لأن هذه الآيات كلها إنما هي فِي الكفار ، فهم متساوون فِي الأظلمية ، وإن اختلفت طرق الأظلمية.
فكلها صائرة إلى الكفر ، فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به ، وإنما تمكن الزيادة فِي الظلم بالنسبة لهم ، وللعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة ، فنقول: الكافر أظلم من المؤمن ، ونقول: لا أحد أظلم من الكافر.
ومعناه: أن ظلم الكافر يزيد على ظلم غيره.
ومن فِي قوله: ممن منع ، موصولة بمعنى الذي.
وجوّز أبو البقاء أن تكون نكرة موصوفة.