فصل
قال الفخر:
اختلف الفقهاء فِي دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقاً، وأباه مالك مطلقاً، وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام، احتج الشافعي بوجوه.
أولها: قوله تعالى: {إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} [التوبة: 28] قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام} [الإسراء: 1] وإنما أسرى به من بيت خديجة.
فالآية دالة إما على المسجد فقط، أو على الحرم كله، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً، فإن قيل: المراد به الحج ولهذا قال: {بَعْدَ عَامِهِمْ هذا} لأن الحج إنما يفعل فِي السنة مرة واحدة، قلنا: هذا ضعيف لوجوه.
أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب.
الثاني: ثبت فِي أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام.
الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة.
الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28] فأراد به الدخول للتجارة.
وثانيها: قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة فِي الكعبة، وأيضاً فقوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} ليس المراد منه خوف الإخراج، بل خوف الجزية والإخراج، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله} ظاهر فِي العموم، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر.