والمعنى: إن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة وهو العلم بـ {أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} والعلمُ بـ {أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} والعلمُ بأنْ {وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} هو الجَزْمُ والإيقان، بأنّه تعالى لا يفعل بهم في أمرٍ من أمور دينهم، أو دنياهم إلّا ما هو خيرٌ لهم، والعمل بموجبه شيء ٌ من الثقة والتوكّل عليه، وتفويض الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويلِ الكفرة، وتشكيكاتهم التي هي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ. وقيل: المعنى: {وَمَا لَكُمْ} يا معشر اليهود والكفار! عند نزول العذاب {مِنْ دُونِ اللهِ} ؛ أي: ممَّا سوى الله {مِنْ وَلِيٍّ} ؛ أي: قريبٍ وصديقٍ يحميكم من عذاب الله، وقيل: والٍ يلي أمركم ويقوم به {وَلَا نَصِيرٍ} ؛ أي: ولا ناصر يمنعكم من عذاب الله، وإنما هو الذي يملك أموركم، ويجريها على ما يصلح لكم، وفي هذا تحذيرٌ من عذاب الله، إذ لا مانع منه.
ولمَّا قالت اليهود: يا محمد! ائتنا بكتابٍ من السماء جملةً، كما أتى موسى بالتوراة، نزل قوله تعالى:
108 - {أَمْ تُرِيدُونَ} وأمْ هنا منقطعةٌ تقدَّر ببل والهمزة، ويكون إضراب انتقال من قصّةٍ إلى أخرى، لا إضراب إبطالٍ،
والخطاب لليهود؛ أي: بل أتريدون يا معشر اليهود! الذين كانوا في عهد محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - {أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ} ؛ أي: الرسول الذي جاءكم؛ أي: محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنّه رسول الخلق أجمعين، أن يأتيكم بكتاب من السماء جملةً {كَمَا سُئِلَ مُوسَى} عليه السلام؛ أي: سأله أسلافكم وآباؤكم رؤية الربِّ، وسماع كلامه، وغير ذلك حيث قالوا: {أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً} {مِنْ قَبْلُ} ؛ أي: من قبل هذا الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فتضلُّوا كما ضلُّوا؛ وذلك لأنَّ السؤال بعد قيام البراهين كفرٌ.