والمعنى: أيَّ شيء من الآيات ننسخ ونرفع حكمها مع بقاء لفظها؟ كآية عدّة الوفاة بالحول بآية أربعة أشهر وعشرة أيام، أو ننسخ ونرفع لفظها وحكمها جميعًا، كنسخ عشر رضعات بخمس رضعات {أو ننسأها} ؛ أي: نؤخِّر ونبق حكمها مع رفع تلاوتها، كآية الرجم؛ لأنّه إمّا من النَّسيء إنْ قرأنا بفتح النون والسين، أو من الإنساء إن قرأنا بضمّ النون وكسر السين، وكلاهما بمعنى التأخير، والمراد: تأخير حكمها وإبقاؤه مع نسخ تلاوتها، أو تأخيرها في اللوح المحفوظ عن الإنزال إلى وقتٍ أراد الله سبحانه إنزالها فيه، وفي"الروح"قوله: {أَوْ نُنْسِهَا} ؛ أي: نذهبها عن قلوبكم، فإنساء الآية إذهابها من القلوب، كما روي إنَّ قومًا من الصحابة قاموا ليلةً ليقرؤوا سورةً، فلم يذكروا منها إلّا البسملة، فغدوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبروه، فقال - صلى الله عليه وسلم -:"تلك سورةٌ رفعت بتلاوتها وأحكامها" {نَأْتِ} ؛ أي: نرسل جبريل {بِخَيْرٍ} أي: بآيةٍ هي خيرٌ وأسهل على العباد؛ أي: من المنسوخة؛ أي: نرسله بما هو أنفع لكم، وأسهل عليكم، وأكثر لأجوركم، وليس معناه: أنَّ آيةً خيرٌ من آية؛ لأنَّ كلام الله تعالى واحدٌ، وكلُّه خيرٌ، فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض في أنفسها من حيث إنّه كلام الله تعالى، ووحيه، وكتابه، بل التفاضل فيها إنّما هو بحَسَب ما يحصل منها للعباد، والخيريَّة: إمَّا في السُّهولة، كنسخ وجوب مصابرة الواحد لعشرة، بوجوب مصابرته لاثنين، أو في كثرة الأجر، كنسخ التخيير بين الصوم والفدية، بتعيين الصوم، فالأول من النسخ بالبدل الأخفِّ، والثاني من النسخ بالبدل الأثقل {أَوْ} نرسله بـ {مِثْلِهَا} ؛ أي: بمثل المنسوخة في النفع، والثواب، والعمل، وذلك كنسخ وجوب استقبال صخرة بيت المقدس، بوجوب استقبال الكعبة، فهما متساويان في الأجر.