والثاني: أعني: نسخ الحكم دون التلاوة، فكآية عدّة الوفاة بالحول، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} نسخت بأربعة أشهر وعشرًا، المذكور في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} إلى غير ذلك من الأمثلة، كالآيات التي نسخت بآية السيف، وكمصابرة الواحد لعشرة في القتال، نسخت بمصابرة الواحد للاثنين، فهو منسوخ الحكم دون التلاوة، وهو المعروف الكثير من النسخ في القرآن، فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين في التلاوة، إلّا أنَّ المنسوخة لا يعمل بها، ومعنى النسخ في مثلها: بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخِّرة عنها، وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه؛ ليبقى حصول الثواب بقراءتها، فإنّ القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به، يتلى أيضًا؛ لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه.
والثالث: أعني: نسخ الحكم والتلاوة جميعًا، فكما روي عن عائشة - رضي الله عنها - أنّها قالت: (كان مما يتلى في كتاب الله {عَشْرُ رضعات يُحَرِّمْنَ} ثُمَّ نسخ بـ {ـخمسُ رضعاتٍ يُحرّمن} ) فهو منسوخ الحكم والتلاوة جميعًا، ومعنى النسخ في مثلها: بيان انتهاء التكليف بقراءتها وبالحكم المستفاد منها عند نسخها.
وهذان القسمان هما المذكوران بقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} فدخل تحت قوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قسمان من أقسام النسخ، وهما: نسخ الحكم واللفظ معًا، أو الحكم فقط، وتحت قوله: {أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ} قسمٌ واحد، وهو نسخ اللفظ دون الحكم. قال القرطبي: الجمهور على أنَّ النسخ إنّما هو مختصٌّ بالأوامر، والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ؛ لاستحالة الكذب على الله تعالى.