وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إخْرَاجَهُمْ مِنْهَا إذَا دَخَلُوهَا لَوْلَا ذَلِكَ مَا كَانُوا خَائِفِينَ بِدُخُولِهَا ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَوْلُهُ {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} وَذَلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخَرِّبَهَا بِيَدِهِ ، وَالثَّانِي: اعْتِقَادُهُ وُجُوبَ تَخْرِيبِهَا ؛ لِأَنَّ دِيَانَاتهمْ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَتُوجِبُهُ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلَّا خَائِفِينَ} وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِمْ مِنْهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَيَدُلُّ عَلَى مِثْلِ دَلَالَةِ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ} وَعِمَارَتُهَا تَكُون مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِنَاؤُهَا وَإِصْلَاحُهَا ، وَالثَّانِي: حُضُورُهَا وَلُزُومُهَا ، كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ يَعْمُرُ مَجْلِسَ فُلَانٍ ؛ يَعْنِي يَحْضُرُهُ وَيَلْزَمُهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ} ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ} فَجَعَلَ حُضُورَهُ الْمَسَاجِدَ عِمَارَةً لَهَا
وَأَصْحَابُنَا يُجِيزُونَ لَهُمْ دُخُولَ الْمَسَاجِدِ ، وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامٌ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَاصَّةً أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَاصَّةً ، إطْلَاقُهُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا يُخَصُّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ.