إيجاب الحكم إلى الظواهر المتضمنة للأمر من الله ومن نبيه عليه السلام على من يوجد في عصرهم لا يمتنع من ذلك أحد منهم، فدل على أن الأمر تناول من كان معدوما حال الخطاب) [1] .
على أن الله سبحانه أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلّم بهذه العبادات ودخل من كان موجودا في تلك الحال، فإن من وجد بعدهم ما أمروا بأمر اخر، بل هم مأمورون بالأمر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلّم وأصحابه [2] .
1 -أن اللفظ لا تناول فيه لغة لغير الموجودين [3] .
ويعترض عليه بأنه لا مانع في اللغة يمنع من دخول المعدومين إذا وجدوا، وأيضا: يصح في كلام العرب أن يوصي الرجل بنيه وأبناءهم الذين لم يوجدوا بما يريد من الأوامر والتصرفات. فدل ذلك على أن اللفظ العام يشمل المعدومين إذا وجدوا. ولا يخص إلّا بدليل يدل على التخصيص، والراجح عندي مذهب الحنابلة: لأن البحث في العموم الشرعي ومراد الشارع فاصل في ذلك، وقد تبين لنا أن مراده فيها أنها عامة للعالمين إلى أن تقوم الساعة، ولا مانع في اللغة يمنع من ذلك، فهو حقيقة في شمولاه للمعدومين إذا وجدوا.
وهذه المسألة من المسائل التي تأثر فيها أصول الفقه بمنهج المعتزلة [4] ، لذا يعجب طالب العلم من مثل هذا الخلاف، إذ كيف تعتبر
(1) العدة 2/ 387، وروضة الناظر ص 213.
(2) المسودة ص 45، وذكره دليلا من أدلة الأشاعرة في محاجتهم للمعتزلة.
(3) تيسير التحرير 1/ 256.
(4) قال في البرهان: [هذه المسألة إنما رسمت لسؤال المعتزلة إذا قالوا: لو كان الكلام أزليّا لكان أمرا، ولو كان أمر لتعلق بالمخاطب في عدمه] 1/ 274.