ولأجل ذلك فإن الراجح عندي هو القول الأول، أن العام يجب العمل به واعتقاده في الحال، ولأن التوقف عن العام لأجل احتمال التخصيص ليس بأولى من التوقف عن دليل التخصيص عند وجوده، لاحتمال نسخه أو احتمال عدم التسليم بأنه مخصص له، أو احتمال ورود التخصيص عليه أيضا بأن يكون عامّا بالنسبة لما تحته، فلماذا نتوقف عن العمل بالدليل الثابت في ذمتنا لأجل ما لم يظهر، ولو ظهر لما سلم من الاحتمالات.
وعمدة الجرجاني في تفصيله أن من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلّم على وجه بيان الحكم لا يرد عليه ما يمنع من عمومه لأنه لو كان على غير عمومه لبينه له النبي صلى الله عليه وسلّم.
واعترض عليه:
بجواز تأخير البيان. ذكر هذا الاعتراض القاضي أبو يعلى.
والتحقيق:
أن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز، وتأخيره عن وقت الحاجة لا يجوز، فلا يسلم هذا الاعتراض لأن المستدل يقول: لبيّنه له عند حاجته إليه. ولكن بالنظر إلى حال الصحابي نعلم أنه لو أشكل عليه لسأل النبي صلى الله عليه وسلّم فبين له، ولا نعلم من الصحابة إلّا المبادرة إلى امتثال الأوامر العامة دون توقف أو سؤال عن ما يخصصها، وهذا مما يرجح أن العام يجب العمل به واعتقاده في الحال.
هذه المسألة رغم ما فيها من أقوال واستدلال إلّا أنها في الجانب العملي الفقهي لا أعلم مثالا قد بني عليها، لأن العمومات في كلام الله جل وعلا أو في السنّة المطهرة قد بين لنا ما يخصصها، فلا نحتاج إلى توقف فيها لأن أدلة التخصيص ظاهرة فيكون من مسألة العام بعد التخصيص، وسوف تأتي، والدليل إذا لم يكن معلوما فليس بدليل، ثم إن العمومات إما أن تتضمن تكليفا أو تتضمن خبرا لا تكليف فيه وهذا لا يبنى عليه شيء، والتكليف إما أن يكون أمرا أو نهيا، والأمر يقتضي الفور على الأصح كما سبق وكذا النهي، فيكون العموم قد خف به ما يدل على الفور فتكون المبادرة مستفادة من الأمر أو النهي.
ولذا، فإن الأثر الفقهي لهذه المسألة لا يكاد يوجد، ولولا أن عدم العلم بوجوده لا يدل على عدمه، لقلت: إن المسألة لا ينبني عليها أثر فقهي.