ورد ذلك بأن الأدلة تفيد الوجوب لو لم يتقدمه حظر، لكن الحظر قرينة صارفة له بدليل ما ذكرناه من عرف الشرع وعرف الناس.
ونحن نطلب الحكم الشرعي وقد دلت الايات السابقة على أنه للإباحة، وهذا رد على أدلة القائلين بالندب أو الرجوع إلى ما كان عليه قبل الحظر أو التوقف.
فحجة القائلين بالندب لأنه أدنى درجات الطلب، والرد عليه بأن ذلك لو لم تكن قرينة مؤثرة، وهي تقدم الحظر عليه.
وبعدم التسليم حيث لو لم تكن قرينة لدل على الوجوب.
وأما القائلون بأنه يعود إلى ما كان عليه قبل الحظر، فإنهم نظروا إلى حكم ما ذكر في الايات فوجدوها مباحة قبل الحظر، واعترض عليه بأن البحث إنما هو في دلالة صيغة إفعل وهل تبقى على الوجوب أم لا، وليس توافق الحكم مع ما قبله أو اختلافه. إذ ما المانع أن يكون مباحا فلما أمر به يكون واجبا. فبقي أن الصيغة بعد النهي صرفت من إفادة الوجوب إلى الإباحة.
وعليه، فإن الراجح عندي هو المذهب الأول بأن صيغة الأمر بعد الحظر للإباحة وتخرج عن الأمر كما خرجت إلى التهديد والإرشاد وغيره من معانيها اللغوية. ومن المتقرر عند العلماء بأن الأمر إذا جاء بعد الحظر بغير الصيغة، وإنما بنحو أمرتكم أو أوجبت عليكم أو فرضت أو كتبت عليكم ونحو ذلك، فإنه يقتضي الوجوب بلا خلاف، كالأمر بالقتال بعد النهي عنه.
يترتب على هذه القاعدة مسائل فقهية عديدة، منها:
1 -النظر إلى المخطوبة:
أمر النبي صلى الله عليه وسلّم من عزم على النكاح أن
ينظر إلى المخطوبة، وهذا أمر مسبوق بحظر وهو تحريم النظر إلى الأجنبية، فبناء على هذه القاعدة يباح النظر إلى المخطوبة، قال المرداوي: (ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النظر هذا المذهب، أعني أنه يباح، جزم به في الهداية والمذهب والمستوعب والخلاصة والكافي والرعايتين والحاوي الصغير والفائق وغيرهم، وقدمه في الفروع وتحرير العناية، وقيل: يستحب له النظر، جزم به أبو الفتح الحلواني وابن عقيل وصاحب الترغيب، قلت: