قوله:(عَلَى إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضًا مستحيلًا عندهم
بعد ردعهم عنه)التي بنوا الطمع إشَارَة إلَى جواب سؤال مقدر وهو كَيْفَ يطمع أن يدخلوا
الجنة وهم لا يصدقون بيوم الدين ولا بالجنة، فأَشَارَ إلَى جوابه بأن طمعهم الدخول بناء
على فرضه، ولذلك قال الْمُصَنّف هناك: إنكار لقولهم لو صح ما يقوله الخ. فنبه بقوله:(إنا
خلقناهم)عَلَى الإمكان، كَمَا صَرَّحَ به في قوله:(قل يحييها الذي أنشأها
أول مرة)وإنما استدل عَلَى الإمكان لأنهم يدعون استحالته مع أنه يدل عَلَى
وقوعه فضلًا عن إمكانه مثل الْقَوْل الْمَذْكُور وهو: (قل يحييها الذي) الآية.
بعد ردعهم عنه أي عن دخول الجنة بقوله: (كلا) .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40)
قوله: (فَلَا أُقْسِمُ) قد مَرَّ تفصيله في سورة الواقعة فتذكر جمع
المشارق والمغارب باعْتبَار المنازل وتثنيتهما نظرًا إلَى مشرقي الصيف والشتاء، وإفرادهما في
بعض المواضع وجهه ظَاهر.
قَوْلُه تَعَالَى: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(41)
قوله:(أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم أو نعطي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدلكم من هو خير
منكم وهم الأنصار)أو نعطي عطف عَلَى نهلكهم. وقيل عطف عَلَى نأتي ولا يلائم قوله من
هو خير منكم. الأَولى أو نعطي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بدلهم من هُوَ خير منهم.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
(خلقناهم مما يَعْلَمُونَ) أي من النطفة وبالقدرة عَلَى أن يهلككم ويبدل ناسًا خيرًا
منهم وأنه ليس بمسبوق عَلَى ما يريد تكوينه لا يعجزه شيء، والغرض أن من قدر عَلَى ذلك لم
يعجزه الإعادة، ويجوز أن يراد (إنا خلقناهم مما يَعْلَمُونَ) أي من النطفة المذرة
وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه ولذلك أبهم وأخفى إشعار بأنه منصب يُستحيَا من ذكره
فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون لندخلن الجنة قبلهم معناه إنا خلقناهم من نطفة كما
خلقنا بني آدم، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا بالإيمان والعمل الصالح فلم يطمع
أن يدخلها من ليس له إيمان وعمل. إلَى هنا كلامه. قوله وبالقدرة عَلَى أن يهلكهم عطف عَلَى
قوله: بالنشأة الأولى فقوله بالنشأة الأولى إشَارَة إلَى قَوْلُه تَعَالَى: (إنا خلقاهم مما يَعْلَمُونَ)
وقوله بالقدرة إلَى قَوْلُه تَعَالَى: (إنا لقادرون) وهما من قوله
تَعَالَى: (وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) . يعني أن الْمُرَاد من قوله: (مما يَعْلَمُونَ) النطفة
وذكرها إما لإثبات القدرة ليستدل بها عَلَى أنا كما قدرنا عَلَى خلقهم من ماء نقدر عَلَى إعادتهم وهذا
هو معنى الوجه الأول، أو لإثباته الإهانة والحقارة لهم وأنهم لا يستحقون تلك الكرامة من عند
أنفسهم، بل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وهذا معنى الوجه الثاني، أو أنهم وسائر من خلق من الماء
مستوون فيما ابتدئ خلقهم منه والتفاوت في المنازل والدرجات الْأُخْرَويَّة إنما هُوَ بحسب استكمال
النفس بالعلم والعمل وهذا هُوَ معنى الوجه الثالث.