والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على
العاجل وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها) في طاعة الحق أي
في طاعة الله تَعَالَى معنى قوله: (عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ) والْمُرَاد
الاستغراق العرفي. قوله والإشفاق عَلَى الخلق وهو منفهم من قوله: (والَّذينَ في أموالهم)
الآية. فالأول إشَارَة إلَى التعظيم لأمر اللَّه تَعَالَى والثاني إلَى شفقة خلق الله
والأحكام الشرعية راجعة إليهما، وتقديم الصلاة لأنها أم العبادات وأن تعظيم أمر الله أصل
للشفقة والإيمان بالْجَزَاء معنى (والَّذينَ يصدقون) الآية. وإنما أخر مع أنه
أصل يبتني عليه الفروع لكونها دالة عَلَى الإيمان، وبهذا الاعتبار آخر عنهما والخوف من
العقوبة معنى: (والَّذينَ هم من عذاب ربهم) الخ. قوله وإيثار الآجل الخ.
مفهوم من قوله: (والَّذينَ هم لأماناتهم) الخ. أو معلوم من جميع ما ذكر
ذكره تمهيدًا لقوله وتلك أي الصفات المذمومة من الهلع والجزع والمنع ناشئة من الانهماك
أي الاسْتغْرَاق في حب العاجل الذي رأس كل خطيئة ومعصية، كما أن بغض الدُّنْيَا رأس كل
طاعة وأن البخل أعظم الخصال القبيحة، ولذا قرن بعدم الإيمان في قَوْله تَعَالَى:(وَلَا
يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)الخ.
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ(23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24)
قوله: (لا يشغلهم عنها شاغل) بل هي شاغلة عن غيرها(كالزكوات والصدقات
الموظفة [لِلسَّائِلِ الذي] يسأل).
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
الْمَذْكُورة قبله وهي الهلع والجزع والمنع من حَيْثُ إن تلك الصفات دالة عَلَى الاسْتغْرَاق
في طاعة الحق المُسْتَفَاد من قوله: (إِلَّا الْمُصَلِّينَ(22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) .
والإشفاق عَلَى الخلق المدلول عليه بقوله: (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ
مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) . والإيمان بالْجَزَاء المفهوم من قوله:
(وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) والخوف من العقوبة المفادة من قوله:
(وَالَّذِينَ [هُمْ] مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) وكسر الشهوة من قوله:(والَّذينَ هم
لفروجهم حافظون)وكل ذلك ثمرة إيثار الآجل عَلَى العاجل وتلك الأحوال
الْمَذْكُورة التي هي الهلع والجزع والمنع ثمرة حب العاجل عَلَى الآجل وإيثار الآجل عَلَى
العاجل مضاد لا محالة لحب العاجل واختياره عَلَى الآجل.
قوله: والصدقات الموظفة. وصف الصدقات المتطوع بها بالموظفة بيان لجهة معلوميتها
ومعلومية الزكاة ظاهرة لأن الشرع وضع لها حدًا معلومًا، وأما معلومية فعل الصدقات فإنما يكون؛ إذ
كانت موظفة فإن قلت: هذه الْمُضَاف مجراة عَلَى سبيل المدح ولا يلزم من ثبوت حق السائل
والمحروم في المال إيصال ذلك الحق للمستحق والمدح إنما يكون بإيصاله إليه لا لمجرد ثبوت
حقهما فيه من غير إنفاق له وذلك ذم فَكَيْفَ بالمدح وهل في الآية دلالة عَلَى إيصال ذلك الحق
للمستحق قلت بلى إن كان السائل متعلقًا بمعلوم وكان الْمَعْنَى معلوم للسائل والمحروم وعلم