أحوال مقدرة لأنه في حال الخلق ليس كَذَلكَ بالْفعْل بل حصول ذلك بعد كونه مكلف ففي
حال الخلق مقدرة الوقوع، وهذا إذا أريد اتصافه بالْفعْل، قدمه لأن الْمُتَبَادَر من منوع وجزوع
كونه بالْفعْل وكونها أحوالًا لا ينافي كون الأخيرين تفسيرين للأول لكون معناه واضحًا بهما
وكون التَّفْسير مشارًا إليه يكفي ولا يجب التصريح به، أَلَا [تَرَى] أن أرباب البَلَاغَة عدُّوا
الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأى وقد سمعا من تفسير الألمعي. أي الذكي مع أنه
مشار إليه لا مصرح به بل ما نحن فيه أوضح من ذلك غاية الأمر أنه عبر بكونها أحوالًا.
قوله:(أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها وإِذا الأولى ظرف لـ جَزُوعًا والأخرى
لـ مَنُوعًا)أو محققة أي أو حال محققة إن أريد بها مبدأ هذه الأمور ويسمى خلقًا فذلك
المبدأ محقق في وقت الخلق أي في وقت نفخ الروح، وإلى ذلك أشار بقوله لأنها طبائع
الخ. فحِينَئِذٍ يكون قوله: (إذا مسه) في الموضعين يحتاج إلَى التمحل
ويحتاج أسماء الفواعل إلَى العناية وظَاهر كلام الْمُصَنّف أن الْإنْسَان جُبل عليها حَقيقَة بناء
على قاعدة أهل الحق للرد ضمنًا عَلَى صاحب الكَشَّاف حَيْثُ جعل الاسْتعَارَة صوابًا فقال
إن الْإنْسَان لا يثاره الجزع والمنع ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما وكأنه أمر خلقي
ضروري غير اختياري كقَوْله تَعَالَى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) فجعله
اسْتعَارَة تمثيلية لا أنه خلقي فيه حَقيقَة بناء عَلَى مذهبه من أن الخلق عَلَى هذه الأمور قبيح
لا يصح إسناده إليه تَعَالَى فأشار الْمُصَنّف إلَى رده بأنه حَقيقَة ولا قبح في الخلق بل القبح
في العمل بمقتضاه، أَلَا [تَرَى] أن الله تَعَالَى ركب الشهوة وخلق النفس الأمارة بالسوء. وفي
التوضيح: والنفس مجبولة عَلَى حب المعاصي فهنا كَذَلكَ خلق الْإنْسَان عَلَى هذه الطبائع ثم
أمر بتهذيبها والعمل بخلافها ليتميز السعداء والأشقياء بعضهم من بعض فمن هذب نفسه
بإزالة ذلك المرض وجعل الْقُوَّة الشهوية والغضبية مطواعة للعقل متمرنة عَلَى الخير كبذل
المال فيما يَنْبَغي بذله شرعًا أو مروءة والصبر عَلَى الشدائد لا سيما عند الصدمة الأُولى
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
هلعه وجزعه عند مس الشر ومنعه عند مس الخير هذا عَلَى أن لا [تكون] هذه الأخلاق الثلاثة غير
حاصلة للْإنْسَان حين خلق ولا [مجبولًا] عليها الْإنْسَان فوجب حِينَئِذٍ أن يحمل الحال عَلَى الحال
المقدرة. والْمَعْنَى عَلَى الثاني خلق حال كونه هلوعًا وجزوعًا ومنوعًا وهذا الْمَعْنَى من تحقيق الحال
مبني عَلَى أن هذه الطبائع الثلاث جبل عليها الْإنْسَان في مبدأ الفطرة، وصاحب الكَشَّاف ترك ذكر
هذا الوجه الثاني صونًا لمذهبه في أن أفعال العباد عنده يخلقهم، ولما كانت الآية حجة عليهم في
مذهبه هذا عرف الْكَلَام عن ظاهره حيث قال: والْمَعْنَى أن الْإنْسَان لإيثارة الجزع والمنع وتمكنهما
منه ورسوخهما فيه كأنه مجبول عليهما مطبوع وكأنه أمر خلقي وضرروي غير اختياري كقوله:
(خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ) والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به
هلع ولأنه ذم والله لا يذم فعله، والدليل عليه استثناء الْمُؤْمنينَ الَّذينَ جاهدوا أنفسهم وحملوها عَلَى
المكاره وظلفوها [عن] الشهوات.