قلت: وهو قول أبي حنيفة ومالك ، غير أن مالكاً قال: تُستحب له الإعادة فِي الوقت ، وليس ذلك بواجب عليه ؛ لأنه قد أدّى فرضه على ما أُمِر ، والكمال يُستدرك فِي الوقت ؛ استدلالا بالسنة فيمن صلّى وحده ثم أدرك تلك الصلاة فِي وقتها فِي جماعة أنه يعيد معهم ؛ ولا يعيد فِي الوقت استحبابا إلا من استدبر القبلة أو شرّق أو غرّب جدًّا مجتهداً ، وأمّا من تيامن أو تياسر قليلاً مجتهداً فلا إعادة عليه فِي وقت ولا غيره.
وقال المُغِيرة والشافعي: لا يحزيه ؛ لأن القِبلة شَرْط من شروط الصلاة.
وما قاله مالك أصح ؛ لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها فِي المُسايفة ، وتبيحها أيضاً الرّخصة حالة السفر.
وقال ابن عمر: نزلت فِي المسافر يتنّفل حيثما توجّهت به راحلته.
أخرجه مسلم عنه ؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه ، قال: وفيه نزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} .
ولا خلاف بين العلماء فِي جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله.
ولا يجوز لأحد أن يَدَع القبلة عامداً بوجهٍ من الوجوه إلا فِي شدّة الخوف ؛ على ما يأتي.
واختلف قول مالك فِي المريض يصلّي على مَحْمَله ؛ فمرَّةً قال: لا يصلّي على ظهر البعير فريضة وإن اشتد مرضه.
قال سُحْنُون: فإن فعل أعاد ؛ حكاه الباجي.
ومَرّةً قال: إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماءً فلْيُصَلِّ على البعير بعد أن يوقَف له ويستقبل القبلة.
وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلّي فريضة إلا بالأرض إلا فِي الخوف الشديد خاصة ؛ على ما يأتي بيانه.
واختلف الفقهاء فِي المسافر سفراً لا تقصر فِي مثله الصلاة ؛ فقال مالك وأصحابه والثَّوْرِي: لا يتطوع على الراحلة إلا فِي سفر تقصر فِي مثله الصلاة ؛ قالوا: لأن الأسفار التي حُكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوّع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة.