يعني الوليد فكر في شأن النبيّ صلى الله عليه وسلم والقرآن و"قَدَّرَ"أي هيأ الكلام في نفسه ، والعرب تقول: قدّرت الشيء إذا هيأته ، وذلك أنه لما نزل: {حم* تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم} [غافر: 1] إلى قوله: {إِلَيْهِ المصير} سمعه الوليد يقرؤها فقال: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، وإن له لحَلاوة ، وإن عليه لطُلاوة ، وإن أعلاه لمثِمر ، وإن أسفله لمغِدق ، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه ، وما يقول هذا بشر.
فقالت قريش: صَبَا الوليدُ لتَصبونّ قريش كلها.
وكان يقال للوليد ريحانة قريش ؛ فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه.
فمضى إليه حزيناً؟ فقال له: ما لي أراك حزيناً.
فقال له: وما لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك بها على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد ، وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهما ؛ فغضب الوليد وتكبر ، وقال: أنا أحتاج إلى كِسر محمد وصاحبه ، فأنتم تعرفون قدر مالي ، والّلات والعُزّى ما بي حاجة إلى ذلك ، وإنما أنتم تزعمون أن محمداً مجنون ، فهل رأيتموه قطّ يَخنُق؟ قالوا: لا واللَّهِ.
قال: وتزعمون أنه شاعر ، فهل رأيتموه نطق بشعر قطّ؟ قالوا: لا والله.
قال: فتزعمون أنه كذّاب فهل جرّبتم عليه كذباً قط؟ قالوا: لا والله.
قال: فتزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهّن قط ، ولقد رأينا للكهنة أسجاعاً وتخالجاً فهل رأيتموه كذلك؟ قالوا: لا واللَّهِ.
وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُسَمَّى الصادق الأمين من كثرة صدقه.
فقالت قريش للوليد: فما هو؟ ففكّر في نفسه ، ثم نظر ، ثم عبس ، فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟! فذلك قوله تعالى: {إِنَّهُ فَكَّرَ} أي في أمر محمد والقرآن {وَقَدَّرَ} في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما.
{فَقُتِلَ} أي لُعن.