ثم الليل إذا أقبل عملت ظلمته في ستر الأشياء كلها بساعة لطيفة، وكذلك النهار إذا أقبل عمل في دفع الظلمة عن الخلائق جملة بساعة لطيفة ما لو اجتهد المرء في جميع عمره - وإن طال - على عد تلك الأشياء؛ ليحيط علما بجملتها، لم يتمكن منه، وإذا كان لليل من السلطان ما ذكرنا، ولإقبال النهار من الأمر ما ذكرنا، وكان الذي ذكرنا أمرا مشاهدا معاينا، ولو أريد معرفة ما فيهما من الحكمة: أنه لأي معنى ما صلح أن يكون الليل ساترا عن درك أعين الأشياء، واستقام أن يكون النهار مزيلا للستر؟ لم يقدر عليه؛ فيكون فيه إبانة أنه لا يجب إنكار كل ما لا يوصل إلى درك الحكمة فيه بالعقول والآراء؛ فيكون فيه إيجاب التصديق بالأنباء التي يأتي بها الرسل، وإن كان فيها ما لا يوقف على الحكمة المجعولة فيها بالآراء.
وفيه أن منشئ الليل والنهار واحد، وأن الخلائق بجملتهم تحت سلطانه وتدبيره، يحكم فيهم ما يشاء، ويفعل ما يريد.
وجائز أن يكون القسم منصرفا إلى الوقتين اللذين وقع عليهما الذكر، وهما إدبار الليل، وإسفار الصبح؛ فيكون فيهما ما في الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَسْفَرَ(34) ، أي: أضاء، وانتشر.
وقوله: (إِذْ أَدْبَرَ) ، أي: ذهب.
وحكي عن الكسائي أنه قال: إن"دبر"لغة قرشية، يقولون: ذهب كالأمس الدابر، أي: الذاهب، فيقولون: دبر في الأيام والشهور والسنين، ولا يقولون في غير ذلك: لا يقولون: دبر الرجل، ودبر الأمر؛ ولكن يقال: أدبر.
وفي حرف ابن مسعود (إذا دبر) ، وفي الحروف (إذا أدبر) ، والمعروف (إِذْ أَدْبَرَ) كما قلنا.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ(35)
قيل: يعني: السقر.
ثم عذاب أهل النار ألوان، وفي جهنم دركات، والسقر: إحدى دركاتها؛ إذ هي لون من ألوان العذاب؛ فصارت هي من إحدى الكبر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَذِيرًا لِلْبَشَرِ(36) .