الوجه الثاني: أنه تعالى قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين ، الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً.
الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً ، والسعة من صفة الأجسام.
والجواب عن الأول: أن الوجه وإن كان فِي أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله} لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال فِي ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً ، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه.
الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله ، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف ، فقوله: {فَثَمَّ وَجْهُ الله} أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما ، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة.
الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر:
استغفر الله ذنباً لست أحصيه.. رب العباد إليه الوجه والعمل
ونظيره قوله تعالى: {إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السماوات والأرض} [الأنعام: 79] .