عِلْمَهَا لَمْ يُحِطْ بِمَوَاقِعِ حِكْمَتِهِ وَلَا يَصِلْ إِلَى حَيْثُ يَصِلُ عِلْمُهُ - تَعَالَى - ، ثُمَّ أَوْجَدَ آدَمَ وَفَضَّلَهُ بِتَعْلِيمِهِ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، عَلَى أَنَّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ لَا يَعْلَمُ إِلَّا طَائِفَةً مِنْهَا ؛ وَلِذَلِكَ أَخْضَعَ لَهُ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ إِلَّا رُوحًا وَاحِدًا هُوَ مَبْعَثُ الشَّرِّ وَمَصْدَرُ الْإِغْوَاءِ فَقَدْ أَبَى الْخُضُوعَ وَاسْتَكْبَرَ عَنِ السُّجُودِ لِمَا كَانَ فِي طَبِيعَتِهِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ ، وَالِاسْتِعْدَادُ فِي الشَّيْءِ إِنَّمَا يَظْهَرُ بِظُهُورِ مُتَعَلِّقِهِ ، فَلَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ لِكُلِّ رُوحٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ وَالْقُوَى الْغَيْبِيَّةِ عِلْمٌ مَحْدُودٌ فَكَيْفَ ظَهَرَ مِنَ الرُّوحِ الْإِبْلِيسِيِّ مَا لَمْ يُسْبَقْ لَهُ وَهُوَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَالتَّصَدِّي لِإِغْوَائِهِ ؟ وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِهَذَا الْعِصْيَانِ وَالْإِبَاءِ فَلَمَّا أُمِرَ عَصَى ، وَلَمَّا وَجَدَ خَلْقًا مُسْتَعِدًّا لِلْوَسْوَسَةِ اتَّصَلَ بِهِ وَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ، كَمَا أَنَّ أَلْوَانَ وَرَقِ الشَّجَرِ وَالزُّهُورِ مَوْجُودَةٌ كَامِنَةٌ فِي الْبَذْرَةِ ، وَلَكِنَّهَا لَا تَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِعْدَادِ بِهَا بِبُلُوغِ الطَّوْرِ الْمَحْدُودِ مِنَ النُّمُوِّ .