وجاء قوله بعد: {ونقدس لك} كالتوكيد ، لأن التقديس هو: التطهير ، والتسبيح هو: التنزيه والتبرئة من السوء ، فهما متقاربان فِي المعنى.
ومعنى التقديس كما ذكرنا التطهير ، ومفعوله أنفسنا لك من الأدناس ، قاله الضحاك وغيره ، أو أفعالنا من المعاصي ، قاله أبو مسلم ، أو المعنى: نكبرك ونعظمك.
قاله مجاهد وأبو صالح ، أو نصلي لك ، أو نتطهر من أعمالهم يعنون بني آدم.
حكى ذلك عن ابن عباس ، أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك ، واللام فِي لك فيل زائدة ، أي نقدّسك.
وقيل: لام العلة متعلقة بتقدّس ، قيل: أو بنسج وقيل: معدية للفعل ، كهي فِي سجدت لله ، وقيل: اللام للبيان كاللام بعد سقياً لك ، فتتعلق إذ ذاك بمحذوف دلّ عليه ما قبله ، أي تقديسنا لك.
والأحسن أن تكون معدية للفعل ، كهي فِي قوله: {يسبح لله} {وسبح الله} وقد أبعد من ذهب إلى أن هذه الجملة من قوله: {ونحن نسبح} استفهامية حذف منها أداة الاستفهام وأن التقدير ، أو نحن نسبح بحمدك ، أم نتغير ، بحذف الهمزة من غير دليل ، ويحذف معادل الجملة المقدرة دخول الهمزة عليها ، وهي قوله: أم نتغير ، وليس ذلك مثل قوله:
لعمرك ما أدري وإن كنت دارياً ...
بسبع رمين الجمر أم بثمان
يريد: أبسبع ، لأن الفعل المعلق قبل بسبع والجزء المعادل بعده يدلان على حذف الهمزة.
ولما كان ظاهر قول الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لك} ، مما لا يناسب أن يجاوبوا به الله ، إذ قال لهم: {إني جاعل فِي الأرض خليفة} .
وكان من القواعد الشرعية والعقائد الإسلامية عصمة الملائكة من المعاصي والاعتراض ، لم يخالف فِي ذلك إلا طائفة من الحشوية.
وهي مسألة يتكلم عليها فِي أصول الدين ، ودلائلها مبسوطة هناك ، احتاج أهل العلم إلى إخراج الآية السابقة عن ظاهرها وحملها كل قائل ممن تقدّم قوله على ما سبح له ، وقوي عنده من التأويل الذي هو سائغ فِي علم اللسان.