وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَرَأَتْ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ «تُسْأَلُ» وَرَفْعِ اللَّامِ مِنْهَا عَلَى الْخَبَرِ، بِمَعْنَى: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَالْإِنْذَارُ، وَلَسْتَ مَسْئُولًا عَمَّنْ كَفَرَ بِمَا أَتَيْتَهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (وَلَا تَسْأَلْ) جَزْمًا بِمَعْنَى النَّهْيِ مَفْتُوحَ التَّاءِ مِنْ تَسْأَلْ، وَجَزْمِ اللَّامِ مِنْهَا.
وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا لَتُبَلِّغَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ، لَا لِتَسْأَلَ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمْ
وَتَأَوَّلَ الَّذِينَ قَرَءُوا هَذِهِ الْقِرَاءَةَ مَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْتَ شِعْرِي مَا فَعَلَ أَبَوَايَ» . «فَنَزَلَتْ (وَلَا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) »
وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَصَّ قَصَصَ أَقْوَامٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَذَكَرَ ضَلَالَتَهُمْ وَكُفْرَهُمْ بِاللَّهِ وَجَرْاءَتَهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِ، ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بَشِيرًا مَنْ آمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ مِمَّنْ قَصَصْتُ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ وَمَنْ لَمْ أَقْصُصْ عَلَيْكَ أَنْبَاءَهُ، وَنَذِيرًا مَنْ كَفَرَ بِكَ وَخَالَفَكَ، فَبَلِّغْ رِسَالَتِي، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْمَالِ مَنْ كَفَرَ بِكَ بَعْدَ إِبْلَاغِكَ إِيَّاهُ رِسَالَتِي تَبَعَةٌ، وَلَا أَنْتَ مَسْئُولٌ عَمَّا فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَلَمْ يَجْرِ لِمَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ذِكْرٌ، فَيَكُونُ لِقَوْلِهِ: {وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} وَجْهٌ يُوَجَّهَ إِلَيْهِ.