المعنى: إِن هؤلاء الكفار بسبب كثرة ذنوبهم وعتوهم، وإِصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم أُغرقوا بالطوفان (فَأُدْخِلُوا نَارًا) هي نار البرزخ، ويراد بها عذاب القبر، أَي: انتقلوا من برودة الماءِ إِلى حرارة النار، ومن مات في ماءٍ أَو نارٍ أو أَكلته السباع أَو الطير مثلًا أَصابه ما يصيب المقبور من العذاب أَو النعيم؛ قال الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون بالنار من جانب، ولا غرابة في ذلك؛ فالله يجمع بين الماءِ والنار كما قال ابن الأَنباري والتعقيب ظاهر على أَن المراد إِدخالهم بعد الإِغراق نارًا هي نار البرزخ، أَما إِذا أُريد بها نار الآخرة كما قيل: فيكون التعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإِغراق وإِدخال نار جهنم من زمن لاتصاله وتحقق الإِدخال. وتنكير النار إِما لتعظيمها وتهويلها أَو لأَنه - عز وجل - أَعد لهم نوعًا من العذاب على حسب خطيئاتهم.
(فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصَارًا) : أَي: لم يكن لأَحد منهم مغيث ولا معين ولا مجير ينقذه من عذاب الله كقوله تعالى: (لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلا مَنْ رَحِمَ) وفيه تعريض بأَن آلهتهم التي اتخذوها آلهة من دون الله تعالى غير قادرة على نصرهم، وفي ذلك من التهكم بهم ما فيه.
26 - {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) } :
معطوف على نظيره (قَالَ نْوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي) وقوله تعالى: (مَّمِا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا ... ) الآية. اعتراض بين الدعاءين للإيذان من أَول الأَمر بأَن ما أَصابهم من الإِغراق والإِحراق لم يصبهم إِلاَّ من أَجل خطيئاتهم التي عدها نوح - عليه السلام - وأَشار إِلى استحقاقهم العذاب لأَجلها، والمعروف أَن هذا الدعاءَ كان قبل هلاكهم.
والمعنى: ربِّ لا تترك على الأَرض من الكافرين أَحدًا يسكن دارًا، أَو لا تترك منهم من يدور ويتحرك على الأَرض لأَنهم استحقوا الهلاك بما اقترفوا من آثام وبما استمسكوا به من كفر وطغيان، ويراد بالكافرين قومه الذين دعاهم إِلى الإِيمان والطاعة فلم يجيبوا.