منها: انه كما أن استماع الإنسان وتكلمه وملاحظته وتفكره جزئية تتعلق بشيء فشيء على سبيل التعاقب؛ كذلك همتُه جزئية لا تشتغل بالأشياء إلا على سبيل التناوب.
ومنها: أن قيمة الإنسان بنسبة ماهيته .. وماهيته بدرجة همته .. وهمته بمقدار أهمية المقصد الذي يشتغل به.
ومنها: أن الإنسان إلى أي شيء توجّه يفنى فيه وينحبس عليه. ومن هذه النقطة ترى الناس - فِي عرفهم - لا يسندون شيئا خسيساً وأمراً جزئيا إلى شخص عظيم وذاتٍ عال؛ بل إلى الوسائل ظناً منهم أن الاشتغال بالأمر الخسيس لايناسب وقاره، وهو لا يتنزل له ولا يسع الأمر الحقير همته العظيمة، ولا يوازن الأمر الخفيف مع همته العظيمة.
ومنها: أن من شأن الإنسان - إذا تفكر فِي شيء لمحاكمة أحواله - أن يتحرى مقاييسه وروابطه واساساته، أولاً فِي نفسه، ثم فِي ابناء جنسه .. وأن لم يجد ففي جوانبه من الممكنات. حتى أن واجب الوجود الذي لا يشبه الممكنات بوجه من الوجوه إذا تفكر فيه الإنسان تلجؤه القوة الواهمة لأن يجعل هذا الوهم السئ المذكور دستوراً، والقياس الخادع منظاراً له. مع أن الصانع جل جلاله لاينظر إليه من هذه النقطة؛ إذ لا انحصار لقدرته.
ومنها: أن قدرته وعلمه وإرادته جل جلاله كضياء الشمس - ولله الْمَثَلُ الاعْلى - شاملة لكل شيء، وعامة لكل أمر. فلا تقع فِي الانحصار ولاتجئ فِي الموازنة. فكما تتعلق بأعظم الأشياء كالعرش؛ تتعلق باصغرها كالجوهر الفرد .. وكما خلق الشمس والقمر؛ كذلك خلق عينَي البرغوث والبعوضة .. وكما اودع نظاماً عالياً فِي الكائنات؛ كذلك اوقع نظاماً دقيقاً فِي امعاء الحيوانات (الخردبينية) .. وكما ربط الأجرام العلوية والنجوم المعلَّقة بقانونه المسمى بالجاذب العمومي؛ كذلك نظّم الجواهر الفردة بنظير ذلك القانون كأنه مثال مصغر لها. إذ بتداخل العجز تتفاوت مراتب القدرة. فمن امتنع عليه العجزُ تتساوى فِي قدرته الأشياء، إذ العجز ضد القدرة الذاتية. فتأمل!