ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [04 - 07 - 2010, 12:05 م] ـ
لا تَزالُ تسمَع ناسًا كثيرًا يطعُنونَ (1) على أهلِ الأدبِ في ما يروُونه، ويشكِّكون في صحةِ أخبارِهم، وينسُبونهم إلى الكذبِ، والتزريف (2) . ونحنُ لا نَدفعُ أنَّ في أخبارِهم ما هو كذلكَ، ولكنَّا نزعم أنَّ الأخبارَ التي وقعت إلينا منهم على طبقاتٍ مختلفاتٍ تتفاوَتُ بحسَب تفاوُتِ رواتِها، فمنها الصحيح القائم، ومنها الموضوع الساقط، ومنها المزيد فيه، والمُزال عن وجهِه. وسنسوقُ إليكَ شاهدينِ يدلَّانِك على أنَّ من اللُّغويِّين، والأدباء مَن يُعنَى بما يَروي، ويُقيمُ التثبُّتَ، والضبطَ في ذلك.
1 -روَى أبو محمدٍ الأنباريُّ في «شرح المفضليات» خبرَ إغارة تأبَّط شرًّا وصحبِه على بَجيلةَ، وذكرَ منه: (فقال لهم تأبَّط شرًّا: إن بالماء رصَدًا. وإني لأسمَع وجيبَ قلوب القوم. قالوا: والله ما نسمع شيئًا، وما هو إلا قلبُك يجِبُ) حتى فرغَ من ذكرِ الخبرِ، ثمَّ قالَ:
(وكذا روَى أحمد بن حسين الخبرَ في ما أخبرني عن أبي عَمْرٍ الشيبانيِّ، غيرَ أنه قال: وما هو إلا قلبُك. ولم يقل: يجِبُ. وقال في روايته: فوضعَ يدَه على فؤاده. ولم يقل: على قلبِه) إلى آخر ما فصَّل من الفروقِ الدقيقة بين الرِّوايات.
2 -روَى أبو عليٍّ القالي في «أماليه» عن جَحظةَ البرمكيِّ، وأبي بكرٍ الأنباريِّ بسندٍ متصلٍ خبرًا في آخِرِه: (ثمَّ قالَ: لله درُّ أبياتٍ تأتينا بها يا إسحاق! ما أتقن أصولَها، وأحسنَ فصولَها! وزاد جحظةُ: وأقلَّ فضولَها!) .
فهذان الخبران دالانِ على مبلغِ تحرُّز بعض علماء العربيَّة في الرِّوايةِ، وشِدَّة ضبطِهم، وعنايتِهم، حتَّى في ما لا يغيِّر المعنَى. والأخبارُ في ذلك أكثرُ من أن يُحاطَ بها. ولعلَّنا نذكرُ في ما بعدُ شواهدَ أخرَى على ذلك.
(1) (يطعُن) أفصح من (يطعَن) .
(2) التزريف: هو التزيُّد في الحديث. ومنه ما رُوِي من أن ابن الكلبي كان يُزرِّف في حديثه.
ـ [السائر على الخطى] ــــــــ [30 - 07 - 2010, 06:51 م] ـ
لك الشكر , على مقالتك.,.
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [03 - 01 - 2011, 05:52 ص] ـ
3 -في «أمالي أبي علي» : (وأنشدنا أبو بكر محمد بن السري السراج قال: أنشدني، أو أنشدنا وكيع -الشك من أبي عليّ-) .
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [16 - 11 - 2011, 10:06 م] ـ
4 -وروَى أبو بكر الأنباري (ت 328 هـ) في (شرح ديوان عامر بن الطفيل) كلامًا، قالَ:
(إن أبا عليٍّ بانَ من الناس بثَلاثٍ:
كانَ لا يعطَش حتى تعطَش الإبِل، ولا يضِلّ حتى يضِلَّ النجم، ولا يجبُن حتى يجبُن الليلُ، ولا يقِف حتى يقفَ السيلُ. والحرف الرابع زيادة أبي العباس).
يريدُ أبا العباس ثعلبًا (ت 291 هـ) ، وكان قرأ ديوان عامرٍ عليه.
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [18 - 11 - 2011, 07:17 م] ـ
5 -وفي كتاب (الخيل) لأبي سعيد الأصمعي (ت 216 هـ) تجِدُ الرجلَ الذي روَى هذا الكِتابَ عن أبي عليٍّ الفارسيِّ (ت 377 هـ) قراءةً عليه، شديدَ الاجتهادِ في صحَّةِ الضبطِ، وأمانةِ النقلِ. وهذانِ مثالانِ لذلكِ:
أ- ورد في متنِ الكِتاب: (وله أربع أسنان) .. قالَ في الحاشية: (قرأتُ على أبي عليٍّ"أربعة"، وهي"أربع") .
ب- وردَ في المتن:(وقال ذو الرمة:
وقرَّبْنَ بالزُّرقِ الجمائلَ بعدما ... تقوَّبَ عن غِربان أوراكها الخَطْرُ).
قالَ الرواي في الحاشية: (أوَّل هذا البيت لم أقرأه على أبي عليٍّ: وقرَّبن بالزُّرقِ الجمائلَ بعدما) .
فانظرْ إلامَ انتهَى تحفُّظُهم، وشِدَّةُ احترازِهم أن يتسلَّلَ إلى الرِّوايةِ ما ليس منها، أو ينسبُوا إلى الرجلِ ما لم يقُلْه، فرحمَهُم الله! أيُّ حرصٍ كانَ يدفعُهم إلى تأديةِ هذا التُّراثِ إلَى مَن بعدَهم كما أدَّاه إليهم من قبلَهم من غيرِ عبَثٍ، ولا استهانةٍ، ومن غيرِ كذبٍ، ولا تزويرٍ!
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [18 - 11 - 2011, 11:33 م] ـ
6 -قال ابن سيده (ت 458 هـ) في (المحكم) :
(وحَمَّرَ الرجل: تكلم بِكَلام حِمْيَرَ. وَمِنْه قَول الملك الحِمْيَرِيّ ملك ظفار وقد دخل عَلَيه رجل من العَرَب، فَقَالَ له الملك: ثِبْ. و"ثِبْ"بالحِميَريَّةِ، اجلِسْ. فَوَثَبَ الرجل، فاندقَّت رِجْلاه، فَضَحِك الملك، وَقَالَ: لَيست عندنَا عَرَبِيَّتْ، من دخلَ ظفارِ حَمَّرَ. هَذِه حِكَايَة ابن جني، يرفع ذَلِك إِلَى الأصمَعِي. وأما ابن السّكيت، فَإِنَّهُ قَالَ: فَوَثَبَ الرجل، فتكسَّر، بدلَ قَوله: فاندقَّت رِجْلاه) .
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [29 - 12 - 2011, 04:57 ص] ـ
7 -وقال أبو زكرياء الفراء (ت 207 هـ) في (المذكر والمؤنث) :
("والمنجَنِيق"أنثى. وبعض العرب يسميها"منجنوق". وقال الفراء: حُكِيت لي، ولم أسمعها من العرب) .
فانظر كيفَ أمانتُه رحمه الله!
ـ [ابن المهلهل] ــــــــ [01 - 02 - 2012, 03:45 ص] ـ
8 -جاء في الأمثال لأبي عبيد القاسم بن سلام - رحمه الله:
(( قال أبو عبيد: يقال في مثل لهم: من سرَّهُ بنوهُ ساءَته نفسُه. ولا أدري ممّن سمعتُه، إلاّ أنه بلغني أنَّ قائله ضرار بن عمرو الضبي ... ) )إلخ
[الأمثال ص146 ط. قطامش]
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)