ـ [سلمان بن أبي بكر] ــــــــ [04 - 08 - 2011, 10:59 م] ـ
البسملة1
مليح الأندلس أحمد بن محمد بن عبد ربه، القرطبي الأندلسي
الدكتور محمود السيد الدغيم
باحث أكاديمي في كلية الدراسات الشرقية والإفريقية
جامعة لندن soas
مليح الأندلس
أورد ياقوت الحموي في معجم الأدباء ترجمة أبي عمر، أحمد بن محمد، بن عبد ربه، بن حبيب، بن حدير ابن سالم القرطبي، مولى الإمام هشام بن عبد الرحمن، بن معاوية، ابن هشام، بن عبد الملك، بن مروان، بن الحكم الأموي، وقال ياقوت: كنيته أبو عمر، ذكره الحميدي، ونعته الشاعر المتنبي بمليح الأندلس.
وكان مولد ابن عبد ربه في مدينة قرطبة حاضرة الأندلس في العاشر من شهر رمضان المبارك سنة 246 هـ/ 29 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 860م، وقضى حياته في قرطبة، وتنقل في المدن الأندلسية، حتى وافاه الأجل في يوم الأحد 18 جمادى الأولى سنة 328 هـ/ 1 آذار/ مارس سنة 940م.
شعر ابن عبد ربه وعلومه
قال الحميدي: وشعره كثير مجموع، رأيت منه نيفًا وعشرين جزءًا، من جملة ما جمع للحكم بن عبد الله الملقب بالناصر الأموي سلطان العرب، وبعضها بخطه، وكانت لأبي عمر بالعلم جلالة، وبالأدب رياسة وشهرة، مع ديانته وصيانته، واتفقت له أيامٌ وولاياتٌ لِلعلم فيها نَفَاقٌ، فتَسَوَّدَ بعد الخمول، وأثرى بعد فقر، وأشير بالتفضيل إليه، إلا أنه غلب عليه الشعر، ومن شعر ابن عبد ربه السائر بين محبي الأدب قوله:
الْجِسْمُ في بَلَدٍ والرُّوْحُ في بَلَدِ
يا وَحْشةَ الرُّوْحِ، بَلْ يا غُرْبَةَ الْجَسَدِ
إِنْ تَبْكِ عَيناكَ لِي يَا مَنْ كُلِفْتُ بهِ
مِنْ رَحْمَةٍ، فَهُمَاْ سَهْمَانِ فِيْ كَبِدِيْ
أحب ابن عبد ربه الغناء والطرب في أيام شبابه، وذات يوم وقف تحت روشن لبعض الرؤساء، وقد رُشَّ بماءٍ، وكان فيه غِناء حَسَنٌ، ولم يعرف لِمَنْ هو، فقال:
يا مَنْ يَضِنُّ بصَوْتِ الطَّائِرِ الْغرِدِ
ما كُنتُ أحْسَبُ هذا الْبُخلَ في أحَدِ
لَو أنَّ أسْمَاعَ أهلِ الأرْضِ قاطِبةً
أصْغَتْ إلى الصَّوتِ لَمْ يَنْقُصْ وَلَمْ يَزِدِ
لَوْلا اتِّقَاْئِيْ شِهَابًا مِنْكَ يُحْرِقنِيْ
بنارِهِ لاستَرقتُ السَّمْعَ مِنْ بُعُدِ
لَوْ كان زِرْيَاْبُ حَيًّا ثُمَّ أُسْمِعَهُ
لَذابَ مِنْ حَسَدٍ أوْ ماتَ مِنْ كَمدِ
فلا تَضِنَّ على سَمْعِي تُقلِّدُهُ
صَوتًا يَجُولُ مَجالَ الرُّوحِ في الْجَسَدِ
أمَّا النَّبِيْذُ: فإنِّي لَسْتُ أشرَبُهُ
ولَسْتُ آتِيْكَ إلاّ كِسْرَتِيْ بِيَدِيْ
ومن شعر ابن عبد ربه الأندلسي في أيام شبابه:
ودَّعَتْنِيْ بزفرَةٍ واعْتِناقِ
ثمَّ نادتْ مَتى يكونُ التَّلاقِيْ؟
وَبَدَتْ لِيْ فأشرَقَ الصُّبحُ مِنها
بَيْنَ تِلك الْجُيوبِ وَالأطواقِ
يا سَقِيمَ الْجُفونِ مِن غيرِ سُقمٍ
بَيْنَ عَينيكَ مَصْرَعُ الْعُشَّاقِ
إنَّ يومَ الفِراقِ أفظعُ يومٍ
لَيْتَنِيْ مِتُّ قبْلَ يومِ الفِرَاقِ
ومن شعره في العِذار قوله:
يا ذا الذي خَطَّ الجمالُ بِخدِّهِ
خَطينِ هاجَا لَوْعَةً وبَلابِلا
ما صَحَّ عِندي أنَّ لَحْظَكَ صَارِمٌ
حَتَّى لَبِسْتَ بِعارِضَيْكَ حَمَائِلا
القصائد الممحصات
وردت قصائد ابن عبد ربه الأندلسي في كتب الأدب، وأورد هو قسمًا منها في العقد الفريد، وقد جمعت تلك الأشعار في ديوان حديثًا، ونشرته دار الكتاب العربي في بيروت سنة 1414 هـ/ 1993م، ويلاحظ أن
لأبي عمر أشعار كثيرة، سَمَّاها الْمُمَحِّصَات، وذلك أنه نقضَ كُلَّ قطعة قالَها في الصِّبا والغزل، بقطعة في المواعظ والزُّهد بعدما أقلع عن صبوته، وأخلص لله في توبته، فاعتبر أشعاره التي قالها في الغزل واللهو، وعمل الْمُمَحِّصَات على أعاريضها وقوافيها في الزهد، ومنها القطعة التي قالها أيام شبابه في بعض مَن تألَّفه حينما أزمع على الرحيل في غداة عيَّنَها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطرٍ جود، منعتْه من الرحيل، فكتب إليه أبو عمر ابن عبد ربه:
هَلاَّ ابتكَرْتَ لِبَيْنٍ أنتَ مُبتكِرُ
هَيهاتَ يأبى عليكَ اللهُ وَالقدَرُ
مازِلْتُ أبكِي حِذَاْرَ الْبَينِ مُلْتَهِفًا
حَتَّىْ رَثا لِيَ فِيكَ الرِّيحُ وَالْمَطرُ
يا بَرْدَهُ مِنْ حَيا مُزْنٍ على كَبِدٍ
نِيرانُها بِغلِيلِ الشّوقِ تَسْتَعِرُ
آلَيْتُ ألاَّ أرَىْ شَمْسًا وَلا قمَرًا
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)