فهرس الكتاب

الصفحة 6392 من 12621

حتى ترتاح نفسُك

ـ [عمر بن عبد المجيد] ــــــــ [07 - 02 - 2013, 09:49 ص] ـ

حتى ترتاح نفسُك

عمر بن عبد المجيد البيانوني

حتى ترتاح نفسُك، ويهدأ ضميرك، كن واسع الصدر، فأعقل الناس وأسعدهم هم أعذرهم للناس، وأبعدهم عن العقل والحكمة هم أسرعهم لومًا وأقلُّهم تحقُّقًا وتثبُّتًا فيما صدر عنهم.

ما أجمل أن يعذر بعضنا بعضًا، فأنت لا تعلم عن ظروف الآخرين الغائبة عنك، ولا تدري ما الذي قاده إلى ذلك التصرف الذي لم يعجبك.

فعندما تجد من أحد موقفًا لا يليق فعله أو خطأ لا ينبغي الوقوع فيه، فلا تنسَ أنه قد يكون وراء ذلك أسبابٌ لم تدركها، وأمورٌ اضطرته إلى هذا التصرف.

ويزداد هذا أهمية حينما لا تعرف عن إنسان إلا كل خير، ورأيتَ تصرفًا يناقض ما تعرف عنه، فإن استطعت أن تسمع منه وتعرف ماذا حصل فعلتَ ذلك، وإلا فالتمس الأعذار له.

حين تكون النفسُ سليمةً جميلةً ترى الأشياء بصورتها الإيجابية، وتصنع من الليمون الحامض شرابًا حلوًا، وتجعل من المِحَن مِنَحًَا وعطايا وفوائد عظيمة.

حين يكون الصدر واسعًا يتسع المكان الضيق لعدد كبير من الناس، أما إذا كان الصدر ضيقًا فإن أوسع المساحات تضيق على أقل عدد منهم.

لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بلاَدٌ بأهْلِهَا ... وَلكِنَّ أخْلاقَ الرجَالِ تَضِيقُ

حين يكون المعدنُ أصيلًا، والقلبُ صافيًا سليمًا، فلا تنتظر من صاحبه إلا خيرًا عميمًا، وفضلًا جسيمًا ..

وحين يكون الأصلُ الشريفُ معدومًا، والباطنُ خواءً فارغًا مذمومًا، والإحساسُ بالجمال مفقودًا، فلا تنتظر إلا شرًا مَهِينًا وضلالًا مبينًا.

لا تَلُمْ صديقَك على تقصيره معك، فلستَ الوحيد في هذا الكون الفسيح، ولست الوحيد في قلبه، فقد يكون عنده من الأصدقاء والأحباب من هم أكثر محبة له منك، وهو أشد حبًا لهم من محبته لك ـ مع كامل الاحترام والتقدير ـ، ومع هذا لا يلتقي بهم إلا نادرًا، فالناس عندهم ما يشغلهم من أعمال ومهمات، وأهل وأصدقاء، فلا تتعلق بإنسان تعلقًا شديدًا يجعلك لا تستطيع العيش بدونه.

ومَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ يَهواكَ قلبُهُ ... وَلا كلُّ مَنْ صَافَيْتَه لَكَ قَدْ صَفَا

فَفِي النَّاسِ أبْدَالٌ وَفي التَّرْكِ رَاحةٌ ... وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جفا

فلا تجعل سعادتك مرهونة لشخص أو لعمل أو متاع، فسعادتك في نفسك وفي نظرتك للأشياء من حولك، فلا تعلقها بأمر خارجٍ عنها.

فالنظرة السليمة والإيجابية للأشياء هي طريقك إلى السعادة، فمثلًا حينما تنظر إلى نقد الناس لك على أنه طريق للترقي نحو الأفضل، فهذا يجعلك تسعد بالنقد وتطلبه من أهله.

حتى النقد الهدام الذي يقصد به التحطيم والتحقير، يمكن أن تسعد به عندما تعرف أنه لا تُرمَى إلا الشجرة المثمرة، وأنه لا يُعرَف طِيب العود إلا باشتعال النار فيه، وأن النقد ضريبة طبيعية لكلِّ من يعمل شيئًا، فتجعل ذلك محفزًا لك على العمل والإبداع.

فهناك أناس لا يخطؤون؛ لأنهم لا يعملون شيئًا، فهذا الذي لا يعرف إلا أن ينقد الناس، لو كان مكان مَنْ ينتقده فقد يخطئ أكثر من أخطائه بكثير، فعلى من يَنتقِد أن يكون واقعيًا، منصفًا.

تأكد أنه لا يمكن لكلمة قالها أحدهم فيك، أو لموقف حصل، أن يغير هذا من الحقيقة والواقع شيئًا، فآراء الناس ليست حقائق قطعية، وإنما هي وجهات نظر تحتمل الصواب والخطأ، فلا تبالغ وتهتم كثيرًا في الرد على من أساء إليك بشيء، فدع أفعالك تكذب ما قال، واترك الناس يحكمون بما يرونه.

إذا أساء إليك أحدٌ فلا تعامله بما يستحق أو بمثل ما يعاملك، بل بما ترضاه لنفسك وبما يعبر عن أخلاقك ومبادئك، فكما قال الشيخ سلمان العودة: (أنت لستَ مسؤولًا عما يعمله الآخرون تجاهك، بل عمّا تعمله أنت تجاه الآخرين) .

فبالتسامح وسعة الصدر، تحسن إلى نفسك وتسعدها قبل أن تحسن إلى غيرك.

وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

ـ [ابومحمدبشير] ــــــــ [05 - 08 - 2013, 09:11 ص] ـ

بارك الله فيك يا أخي عمر على هذه الكلمات الرقراقة وجعلها المولى في ميزان الحسنات

بالتوفيق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت