ـ [أم محمد] ــــــــ [02 - 04 - 2011, 03:06 م] ـ
البسملة1
موعِظةٌ في الصَّبر *
قال شيخُ الإسلام في قولِه -تَعالى-: {وجزاهُم بِما صَبرُوا جنَّةً وحريرًا} [الإنسان: 12] :
لما كان في الصبر من حبس النَّفس، والخُشونة التي تَلحق الظاهر والباطِن -من التَّعب والنَّصب والحرارة- ما فيه؛ كان الجزاء عليه بالجنَّة التي فيها السَّعة والحرير الذي فيه اللين والنُّعومة، والاتِّكاء الذي يتضمَّن الرَّاحة، والظِّلال المُنافِية للحر.
وقال -تعالى-: {فاصبِر لِحُكمِ ربِّكَ} ، وقال: {واذكُرِ اسمَ ربِّك} [الإنسان: 24 - 25] :
لما كان لا سبيل إلى الصَّبر إلا بتعويض القلبِ بشيءٍ هو أحب إليه مِن فوات ما يصبِر على فَوتِه؛ أمرَه بأن يَذكُر ربَّه -سُبحانه- بُكرةً وأصيلًا؛ فإن ذِكره أعظم العَون على تحمُّل مشاقِّ الصَّبر، وأن يَصبر لربِّه بالليل، فيكون قيامه بالليل عونًا على ما هو بِصدده بالنَّهار، ومادة لقوَّته -ظاهرًا وباطنًا-، ولنعيمه -عاجلًا وآجلًا-.
وقال -تعالى-: {واستعينُوا بالصَّبر والصَّلاةِ} [البقرة: 45] .
وأصل ذلك: المحافظة على الصَّلوات بالقلب والبدن، والإحسان إلى النَّاس بالنَّفع والمال -الذي هو الزَّكاة-، والصَّبر على أذى الخلْق وغيره من النَّوائب.
فبالقيام بالصلاة والزَّكاة والصَّبر يصلح حال الرَّاعي والرَّعية، وإذا عرف الإنسان ما يدخل في هذه الأسماء الجامعة:
عرف ما يدخل في الصَّلاة مِن ذِكر الله -تعالى-، ودُعائه، وتلاوة كتابِه، وإخلاص الدِّين له، والتَّوكُّل عليه.
وفي الزَّكاة من الإحسان إلى الخَلق بالمال والنَّفع؛ من نصر المظلوم، وإغاثة الملهوف، وقضاء حاجة المُحتاج.
وفي"الصحيح": عن النَّبي -صلَّى الله عليهِ وسلَّم- قال: «كُلُّ مَعروفٍ صدَقةٌ» ؛ فيدخل فيه كلُّ إحسانٍ؛ ولو بِبسطِ الوجهِ والكلمة الطيِّبة ...
وفي الصَّبر: احتِمال الأذى، وكظم الغَيظ، والعفو عن النّاس، ومُخالفة الهوى، وتَرك الأشر والبَطر؛ كما قال -تعالى-: {ولئنْ أذَقَنا الإنسانَ مِنَّا رحمةً ثُمَّ نزعناها منْهُ إِنَّه لَيؤوسٌ كَفورٌ - ولئنْ أذقْناهُ نَعماءَ بعدَ ضرَّاء مسَّتْهُ لَيقولَنَّ ذهبَ السَّيِّئاتُ عنِّي إنَّه لَفَرِحٌ فَخورٌ - إلا الَّذين صَبروا وعمِلوا الصَّالِحات} [سورة هود: 9 - 11] .
وقال الحسَن البصري: إذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ مِن بُطنان العَرش: ألا ليَقُم مَن أجرُه على الله، فلا يقوم إلا مَن عفا وأصلح.
يتبع إن شاء الله
نقلًا من: (الهديَّة في مواعظِ الإمامِ ابنِ تيميَّة) ، لجامِعه: عادل بن فتحي رياض، مكتبة البلاغ-دبي، الطبعة الأولى: 1418 - 1998، (ص88 - 95) .
ـ [أم محمد] ــــــــ [03 - 04 - 2011, 04:34 م] ـ
مجلس في «الصَّبرِ الجميلِ»
والصَّبر الجميلُ: صبرٌ بِلا شَكوَى.
قال يعقوب -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: {إنَّما أشكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلى اللهِ} [يوسف: 86] مع قولِه: {فصَبرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُستَعانُ عَلى مَا تَصِفونَ} [يوسف: 18] ؛ فالشَّكوى إلى اللهِ لا تُنافي الصَّبرَ الجميل.
ويُروَى عن مُوسى -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام- أنَّه كان يَقولُ: (اللهم! لك الحمدُ، وإليكَ المُشتَكَى، وأنتَ المُستعان، وبك المُستغاثُ وعليك التكلان) ...
وكان عمرُ بن الخطَّاب -رضيَ اللهُ عنهُ- يقرأُ في صلاةِ الفجرِ: {إنَّما أشكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلى اللهِ} [يوسف: 86] ويبكي حتى يُسمَع نشيجُه مِن آخر الصُّفوف؛ بخلاف الشَّكوى إلى المخلوق.
قُرئ على الإمامِ أحمدَ في مرضِ موتِه: أنَّ طاووسًا كرِه أَنينَ المريض، وقال: إنَّه شَكوى. فما أنَّ حتى مات.
وذلك: أنَّ المشتكِي؛ طالبٌ بِلسانِ الحال إمَّا إزالةَ ما يَضرُّه، أو حصول ما ينفعه، والعبدُ مأمورٌ أن يسأل ربَّه دون خلقِه؛ كما قال -تَعالى-: {فإِذَا فَرَغتَ فانْصَبْ - وإِلى ربِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 6 - 7] ، وقال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لابنِ عبَّاسٍ: «إذا سألتَ؛ فاسأَلِ اللهَ، وإذَا استَعنتَ؛ فاستعِنْ باللهِ» .
ولا بُدَّ للإنسانِ مِن شيئَين: طاعته؛ بفِعل المأمور، وتركِ المحظور، وصبرِه على ما يُصيبُه من القضاء المقدور؛ فالأول: هو التَّقوى، والثَّاني: هو الصَّبر.
يتبع إن شاء الله
ـ [صالح العَمْري] ــــــــ [03 - 04 - 2011, 06:13 م] ـ
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)