ـ [ابن المهلهل] ــــــــ [07 - 01 - 2012, 08:30 م] ـ
هذه القصيدة من غرر قصائد أبي فراس، أفردتُها - هنا - من (اللوامع من ديوان أبي فراس) الذي سأنزله تباعًا على الملتقى إن شاء الله. . .
وقد عارضت هذه القصيدة على ديوان أبي فراس الذي طبعه (سامي الدهان) ، وهي طبعة فريدة نادرة!
قال أبو فراس - وهي عين عيون قصائده، وأفضل مقوله وأسماه وأجوده، وقد قالها حين بلغه أن الروم قالوا: ما أسرنا أحدًا لم نسلب سلاحه غير أبي فراس - (ص209) :
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصَّبرُ ** أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أَمْرُ؟
بَلَى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ ** ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سِرُّ!
إذا الليلُ أَضْوَاني بسطتُ يدَ الهوى ** وأذللتُ دمعًا منْ خَلائِقِهُ الكِبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي ** إذا هيَ أذْكَتْهَا الصَّبَابَةُ والفِكْرُ
مُعَلِّلَتي بالوصْلِ والموتُ دونَهُ ** إذا مِتّ ظَمْآنًا فَلا نَزَل القَطْرُ!
حفظتُ وضيعتِ المودةَ بيننا ** وأحسنَ منْ بعضِ الوفاءِ لكِ العذرُ
وما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ ** لأحرُفها من كفِّ كاتِبِهَا بَشْرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيِّ غَادَةً ** هوايَ لها ذنبٌ، وبَهْجَتُها عُذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ وإنّ لي ** لأُذْنًا بهَا عَنْ كُلّ وَاشِيَةٍ وَقرُ
بدوتُ وأهلي حاضرونَ لأنني ** أرى أنَّ دارًا لستِ من أهلها قَفْرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ ** وإيايَ - لولا حبُّكِ - الماءُ والخمرُ
فإنْ كانَ ما قالَ الوشاةُ ولمْ يكنْ ** فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ
وَفيتُ وفي بعضِ الوفاءِ مذلةٌ ** لآنسةٍ في الحيِّ شيمَتُها الغَدرُ
وَقُورٌ وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها ** فتأرنُ أحيانًا كما يأْرَنُ المُهْرُ
تسائلني: منْ أنتَ؟ وهي عليمةٌ ** وَهَلْ بِفَتىً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟
فقلتُ كما شاءتْ وشاءَ لها الهوى: ** قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها: لو شئتِ لمْ تتعنتي ** وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!
فقالتْ: لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا! ** فقلتُ: معاذَ اللهِ! بلْ أنتِ لا الدَّهرُ
وَما كانَ للأحزَانِ لَوْلاكِ مَسلَكٌ ** إلى القلبِ؛ لكنَّ الهوى للبِلَى جِسْرُ
وَتَهْلِكُ بَينَ الهَزْلِ والجِدّ مُهجَةٌ ** إذا مَا عَداها البَينُ عَذّبَها الهَجْرُ
فأيقنتُ أنْ لا عزَّ بعدي لعاشقٍ ** وَأنَّ يَدِي مِمّا عَلِقْتُ بِهِ صِفْرُ
وقلَّبتُ أمري لا أرى لي راحةً ** إذا البَينُ أنْسَاني ألَحّ بيَ الهَجْرُ
فَعُدْتُ إلى حكمِ الزّمانِ وَحكمِها ** لَهَا الذّنْبُ لا تُجْزَى به وَليَ العُذْرُ
كَأني أُنَادي دُونَ مَيْثَاءَ ظَبْيَةً ** على شرفٍ ظمياءَ جلَّلَها الذُّعْرُ
تَجَفَّلُ حِينًا، ثمَّ تدنو كأنما ** تنادي طَلًا، بالوَادِ أعجزهُ الحُضْرُ
فلا تُنْكرِينِي يا ابنَةَ العَمِّ إنَّهُ ** ليَعْرِفُ منْ أنْكَرتِهِ: البَدْوُ والحَضْرُ
ولا تنكريني إنني غيرُ منكَرٍ ** إذا زلَّتِ الأقدامُ واستُنْزِلَ النَّصْرُ
وإني لجرَّارٌ لكلِّ كتيبةٍ ** معوَّدَةٍ أنْ لا يُخِلَّ بها النَّصْرُ
وإنِّيْ لنَزَّالٌ بكلِّ مخُوفَةٍ ** كثيرٌ إلى نُزَّالِهَا النَّظَرُ الشَّزْرُ
فَأَظْمَأُ حتى تَرْتَوي البِيضُ وَالقَنَا ** وَأسْغَبُ حتى يَشبَعَ الذّئبُ وَالنَّسْرُ
وَلا أُصْبِحُ الحَيَّ الخَلُوفَ بِغَارَةٍ ** وَلا الجَيشَ مَا لمْ تأتِه قَبليَ النُّذْرُ
وَيا رُبّ دَارٍ لمْ تَخَفْني مَنِيعَةٍ ** طلعتُ عليها بالرَّدَى أَنَا والفَجْرُ
وحيّ ٍ رَدَدْتُ الخيلَ حتَّى ملكتُهُ ** هزيمًا، وردَّتني البَرَاقعُ والخُمْرُ
وَسَاحِبَةِ الأذْيالِ نَحوي لَقِيتُهَا ** فلمْ يلْقَهَا جَهْمُ اللِّقَاءِ، ولا وَعْرُ
وَهَبْتُ لهَا مَا حَازَهُ الجَيشُ كُلَّهُ ** ورحتُ ولمْ يُكشفْ لأثوابها سِترُ
ولا راحَ يُطْغيني بأثوابهِ الغِنى ** ولا باتَ يُثْنِيني عن الكرمِ الفقرُ
وما حاجتي بالمالِ أبغي وفورَهُ؟ ** إذا لم أفِرْ عِرْضِي فَلا وَفَرَ الوَفْرُ
أُسِرْتُ وما صَحْبِي بعُزلٍ لدى الوَغَى ** ولا فَرَسِيْ مُهْرٌ، ولا رَبُّهُ غُمْرُ!
ولكنْ إذا حُمَّ القضاءُ على امرىء ٍ ** فليسَ لهُ برٌّ يقيهِ ولا بَحْرُ!
وقالَ أُصَيْحَابي: الفرارُ أوالرَّدَى؟ ** فقُلتُ: هُمَا أمرَانِ، أحلاهُما مُرّ
وَلَكِنّني أمْضِي لِمَا لا يَعِيبُني، ** وَحَسبُكَ من أمرَينِ خَيرُهما الأسْرُ
يقولونَ لي: بعتَ السلامةَ بالرَّدَى ** فَقُلْتُ: أمَا وَاللَّهِ مَا نَالَني خُسْرُ
وهلْ يَتَجَافى عنِّيَ الموتُ سَاعَةً ** إذَا مَا تَجَافَى عَنيَ الأسْرُ وَالضُّرُّ؟
هُوَ المَوْتُ، فاختَرْ ما عَلا لك ذِكْرُه ** فلمْ يمتِ الإنسانُ ما حييَ الذِّكْرُ
ولا خيرَ في دفعِ الرَّدَى بمَذَلَةٍ ** كما ردَّها يومًا بسوءتهِ عمرو!!
يَمُنُّونَ أنْ خَلَّوا ثيابي، وإنَّمَا ** عليَّ ثيابٌ من دِمَائهمُ حُمْرُ
وقائم ُسيفي فيهمُ اندقَّ نصلُهُ ** وَأعقابُ رُمحي فيهِمُ حُطّمَ الصَّدْرُ
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جِدُّهُمْ ** [وفي الليلةِ الظلماءِ، يُفتقدُ البدرُ]
فإنْ عِشْتُ فَالطّعْنُ الذي يَعْرِفُونَه ** وتلكَ القَنَا، والبِيضُ والضُّمَّرُ الشُّقْرُ
وَإنْ مُتّ فالإنْسَانُ لا بُدّ مَيّتٌ ** وَإنْ طَالَتِ الأيّامُ وَانْفَسَحَ العُمْرُ
ولوْ سدَّ غيري ما سددتُ اكتفوا بهِ ** وما كانَ يغلو التِّبْرُ لو نَفَقَ الصُّفْرُ
وَنَحْنُ أُنَاسٌ، لا تَوَسُّطَ عِنْدَنَا ** لَنَا الصَّدْرُ دُونَ العالَمينَ أو القَبرُ
تَهُونُ عَلَيْنَا في المَعَالي نُفُوسُنَا ** ومنْ خطبَ الحسناءَ لمْ يُغْلِهَا المَهْرُ
أعزُّ بني الدُّنْيَا وأعلى ذوي العلا ** وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ