ـ [أم محمد] ــــــــ [20 - 02 - 2012, 05:38 ص] ـ
البسملة1
-رحمهُ اللهُ-
(أشعرُ الجنِّ والإنس)
قال الإمام أبو عمر ابن عبد البر القرطبيُّ المالكيُّ -رحمهُ الله-:
أخبرنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زهير، قال: سمعتُ مصعبَ بن عبد الله الزُّبيري يقول: أبو العتاهية أشعرُ الناس.
قلتُ له: بأي شيء استحقَّ ذلك عندك؟
فقال: بقولِه:
تعلقتُ بآمالٍ /// طوالٍ أيِّ آمالِ
وأقبلتُ على الدُّنيا /// مُلِحًّا أيَّ إقبالِ
فيا هذا تجهَّزْ لِـ /// ـفراقِ الأهلِ والمالِ
فلا بُدَّ من الموتِ /// على حالٍ من الحالِ
ثم قال مصعب: هذا كلامٌ حق، لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقلُ، ويُقر به الجاهل.
وذكر المبرد قال: كان إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية حسَن الشِّعر، قريب المأخذ، لشعره ديباجة، وكان مخرج القول منه كمخرج النَّفس سهولةً واقتدارًا.
وذكر اليزيديُّ عن الفرَّاء قال: دخلتُ على جعفر بن يحيى فقال: يا أبا زكرياء؛ ما تقول فيما أقول؟
قلتُ: وما تقول؟
قال: أزعم أنَّ أبا العتاهية أشعرُ أهل هذا العصر.
فقلتُ: هو -والله- قولي، وهو أشعرُهم عندي.
وذكر الزُّبير بن بكَّار في (الموفقيات) قال: حدثني إبراهيم بن المنذر، ومحمد بن الضحَّاك، قالا: قال عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد: أشعر النَّاس أبو العتاهية؛ حيث يقول:
ما ضرَّ مَن جعل التُّرابَ مِهادَهُ /// ألاَّ ينامَ على الحريرِ إذا قنعْ
وروي عن رجاء بن سلمة قال: قلتُ لِسَلم الخاسر: مَن أشعر النَّاس؟
قال: إن شئتَ أخبرتكَ بأشعر الجنِّ والإنس!
فقلت: مَن؟
قال: أبو العتاهية.
وأنشدني له: [المديد]
سكنٌ يبقى لها سكَنُ /// ما بهذا يؤذِنُ الزَّمنُ
وذكر اليزيدي عن موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة، قال: حدَّثني الشهرزوري، قال: أتيتُ سلمًا الخاسر، فقلتُ: أنشِدني لنفسِك.
فقال: لا، ولكن أنشدكَ لأشعر الجنِّ والإنس؛ أبي العتاهية.
ثم أنشدني قوله:
سكنٌ يبقى لها سكَنُ /// ما بهذا يؤذِنُ الزَّمنُ
نحنُ في دارٍ يُخبِّرنا /// عن بَلاها ناطقٌ لَسِنُ
دارُ سوءٍ لم يَدُم فرحٌ /// لامرئٍ فيها ولا حزَنُ
في سبيل الله أنفُسُنا /// كلُّنا بالموتِ مُرتَهَنُ
كلُّ نفسٍ عند مِيتَتِها /// حظُّها مِن مالِها الكَفَنُ
إنَّ مالَ المرء ليس له /// منهُ إلا ذِكرُه الحسَنُ
وأنشد أبو عبد الله بن الأعرابي صاحب (الغريب) قولَ أبي العتاهية في الرَّشيد حين حُمَّ، فصار أبو العتاهية إلى الفضل بِرُقعةٍ فيها:
لو علمَ النَّاسُ كيف أنتَ لهم /// ماتَ إذا ما ألِمتَ أجمعُهمْ
خليفةَ الله أنتَ ترجُحُ بالنَّا /// سِ إذا ما وُزنتَ أنتَ وهُمْ
قد علِمَ الناسُ أنَّ وجهَكَ يسـ /// ـتغني إذا ما رآهُ مُعدِمُهمْ
فسُرَّ ابن الأعرابي بهذه الأبيات، وأثنى على أبي العتاهية، وقال: هو أشعرُ الناس!
فقال له رجلٌ في مجلسِه: ما هذا الشِّعر بمُستحقٍّ لما قلتَ!
قال: ولِمَ؟
قال: لأنَّه شعرٌ ضعيف!
فقال ابن الأعرابيُّ -وكان فيه حِدَّة-: الضَّعيفُ -واللهِ- عقلكَ! لأبي العتاهية تقول: (ضعيف الشعر) !؟ واللهِ؛ ما رأيتُ شاعرًا قطُّ أطبع، ولا أقدرَ على بيتِ شعرٍ منه، ولا أحسبُ مذهبَه إلا ضربًا مِن السِّحر.
ثم أنشد له، وقال:
قطعتُ منكِ حبائلَ الآمالِ /// وحطَطتُ عن ظهرِ المطيِّ رحالي
ووجدتُ بَرد اليأسِ بين جوانحي /// فأرحتُ نفسي من عُرى الترحالِ
قستُ السُّؤالَ فكان أعظمَ قيمةً /// مِن كلِّ عارفةٍ أتتْ بسؤالِ
فإذا ابتُليتَ ببذلِ وجهِكَ سائلًا /// فابذُلهُ للمُتكرِّمِ المِفضالِ
وإذا خشيتَ تَعَذُّرًا في بلدةٍ /// فاشدُدْ يدَيكَ بعاجِلِ الترحالِ
واصبِرْ على نكدِ الزَّمانِ فإنَّما /// فرجُ الشَّدائدِ مثلُ حلِّ عِقالِ
ثم قال للرجلِ: أتعرفُ أحدًا يقول مثلَ هذا الشِّعر؟
فقال له الرجلُ: يا أبا عبد الله! جعلني اللهُ فداءَك؛ إني أردُدْ عليكَ ما قلتَ، ولكن الزُّهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديحِ ليس كشِعره في الزُّهد.
فقال ابنُ الأعرابي: أليس هو القائلُ في المديح: [الطويل]
وهارونُ ماءُ المُزنِ يُشفى به الصَّدى /// إذا ما الصَّدِي بالرِّيقِ غصَّتْ حناجرُهْ
وأوسطُ عِزٍّ في قُريشٍ لَبيتُهُ /// وأوَّل عزٍّ في قريشٍ وآخرُهْ
وزحفٍ له تَحكي البُروقَ سيوفُه /// وتَحكي الرُّعودَ القاصِفاتِ حوافرُهْ
إذا حمِيَتْ شمسُ النَّهارِ تضاحكتْ /// إلى الشمسِ فيه بيضُهُ ومغافِرُهْ
إذا ذُكر الإسلامُ يومًا بنكبةٍ /// فهارونُ مِن بين البريَّةِ ناصرُهْ
ومَن ذا يفوتُ الموتَ والموتُ مُدركٌ /// كذا لم يَفُتْ هارونَ ضدٌّ ينافرُهْ
فقال له [الرجلُ] : القول ما قلتَ، وما كنتُ سمعتُ له بهذين الشِّعرَين!
وكتبهما عنه.
وقال أبو العبَّاس محمد بن يزيد المبرد وغيره: كان أبو العتاهية يتمثَّل الأمثالَ والحِكم القديمة، والحديث المأثور، وأدب الإسلام في شعره.
فهؤلاء أئمة النحو والفقه والشِّعر يشهدون له بالطبع والإحسان والتقدُّم في صناعة الشِّعر، وكان أبو نواس الحسن بن هانئ الحكمي مولى لهم، يعترف لأبي العتاهية بالفضل والتقدُّم في الشعر، وعنه في ذلك أخبار.
["الاهتبال بما في شعر أبي العتاهية من الحكم والأمثال"للإمام ابن عبد البر القرطبيِّ -رحمهُ الله-، (22 - 25) ] .