فهرس الكتاب

الصفحة 11294 من 12621

ـ [منذر أبوشعر] ــــــــ [31 - 01 - 2013, 12:06 م] ـ

ابن قتيبة وكتاب عيون الأخبار (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192)

كلمة لا بد منها:

ما زلتُ أذكر كيف التقيتُه أول مرة.

كان ذلك ذات مساءٍ حالمٍ، قبل خمسة عشر عامًا - تزيد قليلًا ولا تنقص - عندما طرق (ابنُ(http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192 ) ) بابَ غرفتي وبيده (عيونُ الأخبار(http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192 ) ) .

وقتها - ولا زلتُ أذكر ذلك أيضًا - كنتُ و (ابن سَلاََّم) نَجيّيْ سَمَرٍ .. أرحل معه المرة الرابعة مع طبقات فحول شعرائه بصحبة شيخِ العربيةِ الأستاذ محمود محمد شاكر، فأحس أن طول المسافات تُخْتصر بيني وبين الماضي. (يضمر الزمن، وأشعر أن القرون الزهرَ الأولى ماثلةٌ أمامي بكل شخوصها وأناسها. أكلمهم، وأحادثهم، وأسمع أصواتهم بوضوح) ، فكانت صحبة فريدة، وكتابًا ممتعًا، وزمنًا رائقًا، (محمودًا) (شاكرًا) :

منهجًا أولًا في تقديم قراءةِ سِفْر عزيز، وحذقًا متدبرًا يصوغ تليدًا طارفًا، ممتطيًا خارجيًا، نافضا بيدين قويتين كلّ كَلْكَل فوارقِ الزمن.

كان ذلك - كما قدمتُ - قبل خمسة عشر عامًا، وقتما طرق (ابنُ(http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192 ) ) بابَ غرفتي وبيده كتاب (عيونُ الأخبار(http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192 ) ): عينٌ من (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) عيون (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) تراثنا، إن لم يكن عينَ التراثِ ذاته في إحدى صوره.

فكانت رحلة .. وكانت بداية قصة كتاب.

وقتها تساءلتُ: كيف أبدأ مع ابن (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) ، وكيف أخطو برفقته، فأدخل إلى رَحْب أجوائه، فأستطيع سماعَ أصواتِ القدامى، وشعرِهم ,وغنائهم، وضجيجِهم ,ومسجالاتِهم، وحركةِ دبيبِ أيامهم، كما سمعتُها بوضوح عند ابن سلاَّم؟

وكيف أبدأ فأرتب موادَّ الكتابِ وأسانيدَه، وهو يدعوني إلى عالم زاخر فتّان؟

هل أجمع النسخَ المخطوطة - وهما اثنتان - سيأتي الحديث عنهما إن شاء الله، فأكتب قراءات فوارق النسخ، فأقول: في نسخة كذا: مال، وفي نسخة كذا: قال. وفي نسخةألف: نا، وفي ب: أخبرنا!؟ مكررًا كلامًا (منهجيًا) بأسلوب (علمي) بارد، معيدًا القولَ على القول، مرددًا ما غادر المِهْمَر مِنْ مُتَرَدَّم، مكتفيًا من الغنيمة بالإياب؟

أو أجمع أقرانَ مواذّ ابنِ (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) قتيبة (http://www.nooreladab.com/vb/showthread.php?t=24192) من مظانها، لتصنيفِ مجموعِه، وتمحيصِ أجزائه وتحليلها، فيسطاعُ ترتيبُها، وفَهْم صحيحها وسَتّوقِها وحسنِها وموضوعِها، ويكون بذلك معنى لتقديم كتاب للسلف؟

كان صوتُ الشيخ محمود قويا في أذني، مدويًا في فكري. وشعرت - وأنا مع ابن قتيبة - أنه معي .. يرافقني، ويسامرني، أغرف من بريق مخزون تَألّقه، فتُراض العَروض، ويسوغ كلُّ شُرْب.

فبدأتُ اولا بدراسة أسانيد الكتاب دراسة صبورٍ متأنية. ولم أتوقع، وأنا في بدايات تلمسي لأحوال الرجال، أن هذا العلم الفريد يحوي جميعَ علومِ العربية في طياته على اختلاف صورها، وأن ذلك يتطلب بالضرورة إعادةً لقراءة كلِّ ما كتبه القدامى، ليتأدَّى إليَّ فهْمُ أساليبِِهم واتجاهاتُ عباراتهم .. فوجدتُ نفسي ثانية مع الأستاذ شاكر ورحلته مع كَلِم الغابرين، وأنَّ وشائج كثيرةً تربطني به وتشدني إليه. بل وجدت أنفاسي تستحم بكلماته.

يكتب عني، ويصف بقلمه الزاخر نبضاتِ قلبي.

فقراءته للتراث حركةٌ وفهمٌ وفيضٌ وإبداع.

وإضاءاتُه للنصوص تفسيرٌ وصورٌ ونسغ حياة.

تَجاوَزَ قيدَ الحد، وتَجاوَزَ أسْرَ المعاجم، وتجاوَزَ ظاهرَ العبارات. وبحذقِ صَناعٍ كسر طوق السنين.

فعرفتُ بذلك أمورًا، وبانتْ لي أمورٌ.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت