ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [02 - 05 - 2010, 01:21 ص] ـ
قال أبو عثمان رحمه الله:
(صحبني محفوظٌ النقَّاشُ من مسجد الجامع ليلًا. فلما صرتُ قرب منزله -وكان منزله أقربَ إلى مسجد الجامع من منزلي- سألني أن أبِيت عنده، وقال: أين تذهب في هذا المطرِ، والبردِ ومنزلي منزلُك، وأنت في ظلمةٍ، وليس معك نارٌ، وعندي لِبَأٌ لم ير الناسُ مثلَه، وتمرٌ ناهيك به جودةً لا تصلح إلا له. فمِلتُ معه، فأبطأ ساعة، ثم جاءني بجام لِبَأ، وطبق تمر. فلما مددتُّ، قال:(( يا أبا عثمان، إنه لِبَأ، وغِلَظُه، وهو الليل، وركودُه، ثم ليلةُ مطرٍ، ورطوبةٍ، وأنت رجلٌ قد طعنتَ في السِّنِّ، ولم تزل تشكو من الفالج طرفًا، وما زال الغليلُ يُسرِع إليك، وأنت في الأصل لستَ بصاحب عَشاءٍ. فإن أكلتَ اللِّبَأ، ولم تبالغ، كنتَ لا آكلًا، ولا تاركًا، وحرَشْتَ طباعَك، ثم قطعتَ الأكلَ أشهى ما كانَ إليك. وإن بالغتَ، بِتنا في ليلة سوء من الاهتمام بأمرك، ولم نعِدَّ لك نبيذًا، ولا عسلًا. وإنما قلتُ هذا الكلام لأن لاَّ تقول غدًا: كانَ، وكانَ. واللهِ قد وقعتُ بين نابَي أسدٍ، لأني لو لم أجئك به وقد ذكرته لك، قلتَ: بخِل به، وبدا له فيه. وإن جئتُ به، ولم أحذرك منه، ولم أذكرك كلَّ ما عليك فيه، قلت: لم يشفق عليَّ، ولم ينصح. فقد برئتُ إليك من الأمرين جميعًا. فإن شئتَ، فأكلةٌ، وموتةٌ. وإن شئتَ، فبعضُ الاحتمال، ونومٌ على سلامة ) ).
فما ضحكتُ قطُّ كضحكي تلك الليلة. ولقد أكلته جميعًا، فما هضمه إلا الضحكُ، والنشاطُ، والسرورُ في ما أظنُّ. ولو كان معي من يفهم طِيبَ ما تكلمَ به، لأتى عليَّ الضحك، أو لقضى عليَّ. ولكنَّ ضحكَ من كان وحده لا يكون على شَطر مشاركة الأصحاب).
[البخلاء 123، دار المعارف]
ـ [أبو قتيبة النجدي] ــــــــ [13 - 05 - 2010, 02:15 م] ـ
أحسن الله إليك أبا قصي. .
سؤال: ما أفضل طبعات هذا الكتاب؟
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [14 - 05 - 2010, 02:41 م] ـ
أفضل طبعاتِه المحقَّقة طبعة دار المعارف. فأمَّا طبعة الجارم، فإنها أجملُ خطًّا، وأعنَى بالشرحِ، إلا أنها طبعة مدرسيةٌ حُذِف منها ما لا يلائِم الطُّلابَ.
ـ [يحيى صالح] ــــــــ [29 - 05 - 2010, 09:01 م] ـ
أحسن الله إليك أخانا/ فيصل
ـ [عماد الدين زيدان] ــــــــ [12 - 08 - 2010, 07:47 ص] ـ
بارك الله فيك شيخنا الكريم
ـ [عقيلة أهلها] ــــــــ [08 - 11 - 2010, 04:29 م] ـ
اختيرت هذه القطعة ضمن أحد مناهج الأدب سابقا
ـ [أبو الأزهر] ــــــــ [17 - 11 - 2010, 07:02 ص] ـ
قال أبو عثمان رحمه الله:
(... ولكنَّ ضحكَ من كان وحده لا يكون على شَطر مشاركة الأصحاب) .
[البخلاء 123، دار المعارف]
صدق -والله- فإن الضحك يحي الضحك ويبعثه, وقد يفضي إلى ما لا تحمد عقباه كالذي خشيه أبو عثمان -رحمه الله-!
شكر الله لك أبا قصي!
ـ [فيصل المنصور] ــــــــ [14 - 02 - 2011, 01:50 م] ـ
ونقلَ ياقوت في (معجم الأدباء 1/ 216) خبرًا شبيهًا بخبر أبي عثمان، قالَ:
(في"تاريخ دمشق"قال جَحْظة: سلَّمتُ على بعض الرؤساء، وكان مبخَّلًا. فلما أردت الانصراف، قال لي: يا أبا الحسن، أيشٍ تقول في قطائف بائتة؟ ولم يكن له بذلك عادة. فقلت: ما آبَى ذلك. فأحضر لي جامًا فيه قطائف قد خمَّت، فأوجعتُ فيها، وصادفَتْ مني مسغَبةً، وهو ينظُر إلي شزْرًا، فقال لي: يا أبا الحسن، إن القطائف إذا كانت بجَوزٍ أتخمتك. وإذا كانت بلَوز أبشَمتك. قالَ: فقلتُ: هذا إذا كانت قطائفَ! فأما إذا كانت مصوصًا، فلا. وعمِلتُ لوقتي هذه الأبياتَ:
دعاني صديقٌ لي لأكل القطائفِ ... فأمعنتُ فيها آمِنًا غيرَ خائفِ
فقال وقد أوجعتُ بالأكلِ قلبَه ... رويدَك مهلًا، فهي إحدى المتالفِ!
فقلتُ له: ما إن سمعنا بهالكٍ ... ينادَى عليه يا قتيلَ القطائفِ!