فهرس الكتاب

الصفحة 5299 من 12621

ـ [رائد] ــــــــ [07 - 06 - 2010, 09:18 م] ـ

إبداع يبحر في اتجاهات عدة .. ويصل لأكثر من مرفأ في الوقت نفسه

الأعمال الكاملة للأديب الشاعر ابن إدريس .. مرحلة ثقافية في كتاب

قراءة: هيثم السيد

لم تعد المكتبة الشعرية العربية كما كانت عليه قبل مهرجان الجنادرية لهذا العام 2010م، فالمناسبة الكبيرة التي عنونت برنامجها الثقافي بتكريم الشاعر الأديب الشيخ عبد الله بن إدريس، قدمت أثناء ذلك كتابًا مرحليًا بغلاف أحمر يضم بين دفتيه 60 عامًا من الشعر وتجربة لا يمكن تصنيفه ضمن احتواء ظرفي محدد، والحديث هنا عن ديوان الأعمال الشعرية الكاملة الذي سيأخذ موقعه البارز في مقدمة اهتمامات كل باحث في مدرسة ابن إدريس الأدبية وكل منطلق منها لتلمس تحولات ومراحل القصيدة المحلية والعربية خلال فترة أكثر من نصف قرن مضت.

وبين (في زورقي 1984م) و (إبحار بلا ماء 1998م) ومن ثم (أأرحل قبلك 2009م) يمكن الوقوف على مشروع أدبي عميق التعبير والتأثير، وشخصية حاضرة بقوة في قصائدها، مبدعة في تكوين فلكها الفني الخاص ضمن نصها، ومقنعة في فرض نفسها داخل فلك النص الثقافي العام .. وهذا مايفسر بوضوح ذلك التوازن الذي يقود به الشاعر دفة سفنيته الإبداعية ــ إذا صح لنا استخدام أدبيات ابن إدريس هنا - ضمن أكثر من سياق وبالقدر نفسه من الانتماء الموضوعي والفكري، وصولًا في اللحظة ذاتها إلى أكثر من مرفأ للتلقي، وهذا ما لا يمكن حدوثه كثيرا، إلا في حالات استثنائية نادرة.

بدءا من فكرة القصيدة، يطلق ابن إدريس حالة انحياز كامل لا تختلف مع اختلاف الشكل أو المضمون، فتلمس همه الوجداني لا يحول دون استلهام الجمعي، ورهافة اتجاهه الرومانسي المعروف عنه، لا تستغرق سوى قصيدة أخرى لتتحول إلى قوة هائلة يتم توظيفها بشكل ملائم لقصائده ذات البعد القومي أو الأممي، إنها الموهبة الخلاقة حين تملك القدرة نفسها على دق طبول الحب والحرب معا، حين تكون ثورية المناضل ضميرا مستترا في قصيدة عشق، ويكون كبرياء المحب ضميرا أقل استتارا في أنشودة حماسية تنضح بروح العزة والشرف.

ولأن الرجل موقف، فالشاعر موقف أيضًا، وفي حالة عبدالله ابن إدريس يصبح التأكد من هذه المسلمات مسألة قراءة فقط، أنها النصوص التي يمكن استخدامها كرسائل للمحبة بالقدر الذي يمكن فيه إطلاقها كوثائق للمراحل، أو نصبها كمرآة للواقع، أو التلويح بها كرايات للانتماء، أو حتى ترديدها كأناشيد للكبرياء، تحتاج لذهن قابل لإعادة التخيل كل مرة حين تقرأ لابن إدريس، فالنص الذي يفيض بعنفوان شبابي مكتظ بطاقة الحرف ورشاقة القالب، يتحول لاحقا إلى شيخ وقور يتكئ على حكمة بالغة تضع المفاهيم في محك التجربة الطويلة، والنص الذي يكاد يشعرك بصوت المارشات العسكرية المنتصرة وهو يزلزل أركان عدو، أو يحتفي بانتصار معركة، يتحول لاحقا إلى تغريدة عصفور وديع يتغنى للطبيعة وللجمال وللإنسانية في أكثر تجلياتها رقة وعذوبة.

أحد أهم مايميز هذا الديوان أنه يمنحك قرابة 740 صفحة شعرية مرتبة في اتجاه متصاعد زمنيًا، لكنك تستطيع قراءتها من كل الاتجاهات دون أن تحس بفارق كبير على مستوى النبرة الفنية التي بقيت بالعنفوان نفسه منذ انطلاقة أول نص في أول ديوان حتى آخر قصيدة ألقاها الشاعر لحظة تكريمه في الجنادرية.

والحديث هنا لا يدور في زمن قراءتنا للديوان كاملا، بل في مسافة تقدر بستة عقود متناهية الإخلاص لروح الأدب ورسالة الشعر، مسافة تضعك على مسافة واحدة من كل احتمالات التذوق الأدبي،،تجعلك تتخيل كل شيء داخل قصيدة.

المشوار يبدو بعيدا بالنسبة لشاعر عادي بين الوصول إلى مستوى تشكيل الشخصية الشعرية وفق خصائصها الفكرية وهويتها الفنية، وبين ترسيخها كتجربة حاضرة في ذاكرة المشهد الأدبي, لكن ابن إدريس فعل ذلك بتلقائية موهبته وحضوره القوي داخلها ومن ثم حضورها خارجه.

(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت