ـ [صالح العَمْري] ــــــــ [23 - 12 - 2010, 06:27 م] ـ
أنا ذاكر هنا إن شاء الله وهما وقع فيه ثلاثة أو أربعة من كبار المحققين رحمهم الله وغفر لهم وجزاهم خيرا على ما خدموا كتب التراث.
ولست أذكر هذا انتقاصا لهم، معاذ الله
من ذا الذي ما ساء قط ** ومن له الحسنى فقط
وإنما أذكره ليعرف طلاب العلم الصوابَ فيه، وليعلم المتعصبة أن هؤلاء العلماء يصيبون ويخطئون، فلماذا تغضبون إذا استدرك أحد عليهم بحق وصواب.
وهذا وقع في كتاب الوحشيات وقد حققه الميمني رحمه الله وزاد عليه محمود شاكر رحمه الله، ووقع أيضا في المفضليات بتحقيق أحمد شاكر وهارون رحمهما الله تعالى. والتعليق على هذا الموضع في الوحشيات كان للميمني رحمه الله، ولا أدري إن كان أبو فهر رآه وأقرَّه أم لم يره، فلذلك قلت: ثلاثة أو أربعة.
في كتاب الوحشيات:
أبو المهوش الأسدي
1 -أكلت طهية والجِمارُ ودارم ** أير الحمار وخصيتيه العنبرُ
ويُروى
2 -أكلت أسيد والهجيم ومازن ** أير الحمار ولم تذقه العنبرُ
5 -وإذا يسرك من تميم خصلة ** فلما يسوءُك من تميم أكثرُ
وفي الهامش:" (1) الجمار لعله يريد جمرات العرب وهي قبائل، (الميمني) "
قلت: جمرات العرب اختلف العلماء في تحديدها فقيل: عبس وضبة والحارث بن كعب، وقيل غير ذلك، ولن أطيل بذكر الخلاف فيها.
وهذه القبائل كلها ليست من تميم وأقربها إلى تميم بنو ضبة، فإن ضَبَّة عَمُّ تميم، لأن ضبة هو ضبة بن أُدّ بن طابخة، وتميم هو تميم بن مُرّ بن أُدّ بن طابخة، فلا ينبغي أن يكون شيء من هذه القبائل مقصودا هنا، لأن الشاعر يهجو بني تميم، ولذلك قال في البيت الأخير:
5 -وإذا يسرُّك من تميم خصلةٌ ** فلما يسوءُك من تميم أكثرُ
والأحياء التي عدَّدها في البيت الأول على الروايتين فيه كلُّها من بني تميم، فطهيَّة ودارم والعنبر وأُسيِّد والهُجيم ومازن كلهم من بني تميم، فلا يتصور عاقل أنه يسوغ أن يذكر مع هذه الأحياء عبسا والحارث بن كعب وبني نمير على قول من عدَّ بني نُمير في جمرات العرب, فلا بد أن يكون الجِمارُ قوما من بني تميم وإلا اضطربت الأبيات وفسدت.
وفي المفضليات:
فأبلغ رياحا على نأيها ** وأبلغ بني دارم والجِمارا
وفي الهامش:"الجمار: ثلاثة أحياء، ضبة بن أد، وعبس بن بغيض، والحرث بن كعب، وأمهم الحسناء بنت وبرة، أخت كلب بن وبرة"
ويقال في هذا البيت مثلما قلنا من قبل، فرياح هو رياح بن يربوع من بني تميم، ودارم من بني تميم أيضا، فكيف يعطف على هذين الحيين التميميين تلك القبائل وهي بعيدة من بني تميم، فينبغي هنا أيضا أن يكون الجمار من بني تميم.
والشاعر إنما خص أحياء تميم بالنداء لأنه من تيم الرباب، وهو تيم بن عبد مناة بن أد بن طابخة، وهو ابن عم تميم بن مرّ بن أد بن طابخة، وتيم من أقرب القبائل إلى بني تميم، وكانوا معهم في حروبهم كما في يوم الكُلاب الثاني وغيره.
فظهر مما ذكرنا أنه لا وجه لذكر جمرات العرب في الموضعين، ثم إن العلماء يسمُّون هذه الجمرات ولم أر أحدا سماهم الجمار، فهذا لقب لا يُغيَّر بل يبقى كما هو.
أما من هم الجِمار فسأعود لبيان ذلك إن شاء الله.
اللهم ارحم ابني شاكر العالمين الكبيرين وارحم الميمني وهارون واجزهم خيرًا يا رب العالمين.
# أفرد هذا الموضوع في حديث مستقل.
* المشرف *
ـ [صالح العَمْري] ــــــــ [23 - 12 - 2010, 11:17 م] ـ
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفرزدق:
يا ابن المراغة كيف تطلب دارما ** وأبوك بين حمارة وحمارِ
وإذا كلاب بني المراغة ربضت ** خطرت ورائي دارمي وجِماري
فترى هنا وفقك الله أن الفرزدق ذكر الجِمار وأضافهم إلى نفسه، كما أضاف دارما إلى نفسه، أما دارم فالأمر فيها بيّن لأن الفرزدق من بني مجاشع بن دارم، أما الجمار فذكرهم لقربهم من بني دارم وسنذكر نسبهم بعد قليل.
فهل يسوغ هنا أيضا أن يكون الفرزدق أراد جمرات العرب وأنهم يدافعون عنه وينصرونه كما ينصره بنو دارم! وأين جمرات العرب من بني دارم!
وأريد أن تفطن لشيء هنا، وهو اقتران الجِمار بدارم في الأبيات الثلاثة كلها:
1 -أكلت طهيةُ والجمارُ ودارمٌ
2 -وأبلغ بني دارمٍ والجمارا
3 -خطرَتْ ورائي دارمي وجِماري
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى معلقا على بيت الفرزدق في كتابه النقائض:"قوله: وجِماري، يعني بني طهية وبني العدوية ابني مالك بن حنظلة."اهـ
قلت: دارم هو دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم.
ولدارم ثلاثة إخوة: صُدَيٌّ ويربوع وزيد, وهم بنو العدوية، نسبوا إلى أمهم، وأبوهم مالك بن حنظلة أبو دارم، ولهم ثلاثة إخوة أيضا: أبو سود وعوف وخشيش، وأمهم طهية، وإليها ينسبون.
ويقال لبني طهية وبني العدوية: الجمار.
فهم إخوة دارم كما ترى، كلهم من ولد مالك بن حنظلة، لكنهم بنو عَلاَّت، أبوهم واحد وأمهاتهم شتى.
فإذا استبان لك ذلك عرفت صحة ما ذهبنا إليه من إنكار تفسير الجمار بجمرات العرب، وقد كنت أعرف بيتا لجرير أيضا ذكر فيه الجِمار، لكني لم أعثر عليه الآن.
وبالله تعالى التوفيق، والحمد لله رب العالمينُ.
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)