ـ [ابو حمزة المكي] ــــــــ [19 - 12 - 2011, 07:44 ص] ـ
التسمية في الوضوء
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها واجبة مع الذكر أي التذكر، فإذا كان ناسيا لم يتوجه له الوجوب، ووضوؤه صحيح، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهي المذهب عند متأخري الحنابلة.
واستدلوا على هذا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه) . (د، ج) .
ووجه الاستدلال بالحديث: أنه قال: لا وضوء لمن ... ، والقاعدة في الأصول: أن نفي الحقيقة لتخلف وصف دليل على شرطيته، والشرط واجب.
واستدلوا أيضا: بحديث أنس عند أحمد والنسائي في قصة نبع الماء من تحت أصابعه صلى الله عليه وسلم، وفيه أنه قال: (توضئوا باسم الله) . والأمر المطلق للوجوب.
ونوقشت الأدلة: بأن حديث أبي هريرة رضي الله عنه ضعيف، فيه ثلاث علل: جهالة حالة يعقوب بن سلمة الليثي، والثانية: جهالة حال أبيه إذ هو يروي عنه، والثالثة: الانقطاع بين يعقوب وأبيه، وبين أبيه وأبي هريرة. قال البخاري في التاريخ الكبير: لا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب من أبيه. هذا من جهة الثبوت.
ومن جهة الدلالة: الحديث يدل على الشرطية كما سبق، ومقتضى الشرطية عدم صحة الوضوء عند تركها عمدا أو نسيانا، وهم يقولون بالصحة، ولهذا قيدوا الوجوب بالذكر. ويمكن إلزامهم بالشرطية، أنهم قالوا بشرطية الوضوء في الصلاة لقوله: لا صلاة لمن لا وضوء له. ولم يقيدوا ذلك بالذكر، والصيغة واحدة.
وأجاب بعضهم: بأن شرطية الوضوء من نصوص أخرى نحو: لا صلاة بغير طهور. (م) . ولم نقل بشرطية التسمية لضعف الحديث، فضعف الحديث يقتضي إضعاف الدلالة من الشرطية إلى الوجوب.
قلت: هذه من العجائب، إذ لا تلازم بين الثبوت والدلالة على هذا الوجه، والثبوت لا يؤثر في تغير مقتضى الدلالة.
أما حديث أنس فليس واردا في التسمية على الوضوء، إذ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا باسم الله. بل الظاهر أن التسمية واقعة من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، لا أمرا.
القول الثاني: أنها مستحبة، وبهذا قال الجمهور [الحنفية والمالكية والشافعية] ، واختاره ابن حزم. واستدلوا بعضهم بالقياس على التسمية على الجماع الواردة في حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (ق) . [هذا الاستدلال للبخاري في الصحيح] . ونوقش: أن هذا القياس غير متجه في الأصول، لعدم الاشتراك في العلة. وكم من عبادة - كالصلاة مثلا- لا يبدأ فيها بالتسمية. ولعل ابن حزم رحمه الله ينزع بقوله تعالى: (وافعلوا الخير) ، فهو يقرر مثل هذا كثيرا، وهو خطأ في الاستدلال لأنه يتوقف على ورود دليل بكونه خيرا، وإلا لفتح باب البدع على مصراعيه.
القول الثالث: أنها شرط، وقد حكي هذا القول عن أهل الظاهر، كذا في عون المعبود. واستدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقد تقدم تقرير وجه الاستدلال منه على الشرطية. وتقدم مناقشته من جهة الثبوت، فلا يصح التعويل عليه.
القول الرابع: عدم المشروعية: وهذا قول عند المالكية. وجاء عن الإمام مالك أنه سئل عن ذلك، فقال: أهو يذبح؟!. كذا حاشية العدوي. ودليلهم في ذلك: الأصل، فالأصل في العبادة الحظر، وعدم المشروعية، ولا مقتضي للانتقال عن هذا الأصل، فيتعين اعتماده.
والتحقيق في المسألة: عدم مشروعية التسمية على الوضوء، اعتمادا على أصل الحظر، والأدلة التي استدل بها أصحاب الأقوال الأخرى ضعيفة، لا يصلح أن تكون ناقلة عنه.