ـ [أحمد بن حسنين المصري] ــــــــ [24 - 11 - 2011, 08:11 م] ـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام علي من لا نبي بعده وبعد:-
فأبدأُ هذه الخطبَ بخطبةِ إمامِ الفسقِ والضلالةِ إبليسَ - لعنه الله - حيث يقفُ خطيبًا في أوليائه من الجن والإنس في النار فيقول كما أخبر ربُّنا عنه في سورة إبراهيم"وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ"
قال"ابن كثير"في تفسير هذه الآية"يخبر تعالى عما خاطب به إبليسُ أتباعَه بعد ما قَضَى اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ، فَأَدْخَلَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّاتِ، وَأَسْكَنَ الْكَافِرِينَ الدَّرَكَاتِ، فَقَامَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ الله يومئذ خَطِيبًا لِيَزِيدَهُمْ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ، وَغَبْنًا إِلَى غَبْنِهِمْ، وَحَسْرَةً إِلَى حَسْرَتِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ أَيْ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، وَوَعَدَكُمْ فِي اتِّبَاعِهِمُ النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ، وَكَانَ وَعْدًا حقا وخبرا صدقا، وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا [النِّسَاءِ: 120] ."
ثُمَّ قَالَ: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أَيْ ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وَعَدْتُكُمْ بِهِ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، هَذَا وَقَدْ أَقَامَتْ عَلَيْكُمُ الرُّسُلُ الْحُجَجَ وَالْأَدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءُوكُمْ بِهِ، فَخَالَفْتُمُوهُمْ فَصِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ فَلا تَلُومُونِي الْيَوْمَ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّ الذَّنْبَ لَكُمْ لِكَوْنِكُمْ خَالَفْتُمُ الْحُجَجَ وَاتَّبَعْتُمُونِي بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتُكُمْ إِلَى الْبَاطِلِ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أَيْ بِنَافِعِكُمْ وَمُنْقِذِكُمْ وَمُخَلِّصِكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ أَيْ بِنَافِعِيَّ بِإِنْقَاذِي مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ قَالَ قَتَادَةُ: أَيْ بِسَبَبِ مَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ""
ـ [أحمد بن حسنين المصري] ــــــــ [24 - 11 - 2011, 11:37 م] ـ
خطبةُ الحجاجِ بن يوسفَ الثقفي"إمام القتل في زمانه"...
قال الجاحظ في"البيان والتبين":-"خرج الحجَّاج يريد العراق واليًا عليها، في اثنَيْ عشر راكبًا على النّجائب، حتَّى دخل الكوفة فَجأَةً حين انتشرَ النّهار؛ وقد كان بشرُ بنُ مروان بَعث المهلَّبَ إلى الحَروُريّة؛ فبدأ الحجَّاج بالمسجد فدخَلَه، ثم صعِدَ المنبَر وهو متلثّم بعمامة خَزٍّ حمراء، فقال: عليّ بالناس فحسِبوه وأصحابَه خوارجَ، فهمُّوا به، حتّى إذا اجتمع النّاسُ في المسجد قام فكشَفَ عن وجهه، ثم قال:"
أنا ابنُ جَلاَ وطَلاّعُ الثّنايا ... مَتَى أضَعِ العمامةَ تعرفوني
أمَا واللَّه إني لأحتملُ الشّرّ بحمْله، وأحذُوه بنَعله، وأجزيه بمثله، وإني لأَرَى رؤوسًا قد أينعَتْ وحان قِطافُها، وإنِّي لَصَاحِبُها، وإنّي لأنظُرُ إلى الدِّماء تَرَقْرَقُ بين العمائم واللِّحَى، قد شمّرت عن ساقها فشمِّرا
ثم قال:
هذا أوانُ الشَّدّ فاشتدِّي زِيَمْ ... قد لَفّها الليلُ بسَوَّاقٍ حُطَمْ
ليسَ براعِي إبلٍ ولا غَنَمْ ... ولا بجزّارٍ على ظَهر وَضَمْ
وقال أيضا:
قد لفّها اللَّيْلُ بعَصْلَبِيّ ... أرْوَعَ خَرَّاجٍ من الدَّوِّيّ
مهاجِرٍ ليسَ بأعرابيِّ
إنّي واللَّه يا أهلَ العراق، والشِّقاق والنِّفاق، ومساوئ الأخلاق، ما أُغْمَزُ تَغمازَ التِّين، ولا يُقعقَع لي بالشِّنان، ولقد فُرِرت عن ذَكاءٍ، ولقد فُتِّشت عن تَجْرِبة، وجَرَيْت مِن الغاية، إنَّ أميرَ المؤمنين كبَّ كِنانَتَه ثم عَجَم عيدانَها، فوجدني أمَرَّها عودًا، وأصلبَها عمودًا، فوجَّهنِي إليكم؛ فإنَّكم طالما أوضعتُم في الفِتن، واضطجعتم في مراقد الضَّلال، وسننتم سُنَنَ الغَيِّ، أمَا واللَّه لألحوَنَّكم لَحوَ العصا، ولأَعصِبنَّكم عَصْبَ السَّلَمَة، ولأضرِبنّكم ضَرْبَ غرائب الإبل؛ فإنكم لكأهل قرية كانت آمنة مطمئنّة يأتيها رزقها رغدًا من كُلِّ مكانٍ فكَفرت بأنعُم اللَّه فأذاقها اللَّه لباسَ الجوع والخوف بما كانوا يصنعون، إنِّي والله لا أعِدُ إلاّ وفَيت، ولا أهُمُّ إلاّ أمضيت، ولا أخلُقُ إلاّ فريت، فإيّايَ وهذه الجماعاتِ، وقالَ وقيلَ، وما تقولون؟ وفيم أنتم وذلك؟ أمَا واللَّه لتَستقيمُنَّ على طريق الحقِّ أو لأَدَعَنَّ لكلِّ رجلٍ منكم شُغْلًا في جَسَده، مَن وجدتُ بعد ثالثةٍ من بَعث المهلَّب سفكتُ دمه، وانتهبْتُ مالَه، ثم دخل منزله."انتهي"
(يُتْبَعُ .. بالصفحة التالية)