شرَّع الله لموسى - صلوات الله عليه وسلامه - الوجه إلى بيت المقدس في
قوله - عز وجل -: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) أي: مساجد
(وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) أي: التي كتب الله لكم بالشام قبلة (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
الذي يتبعون الرسول - صلى الله عليه وسلم - على القبلة إلى البيت الحرام كما قال جل
قوله:(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ).
فلما بعث الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - صلى إلى بيت المقدس طوَّل مكثه بمكة والمدينة ستة
عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، ثم أمر بالتوجه إلى البيت الحرام، وكان توجهه إلى
بيت المقدس استصحاب حال، كذلك أوحى الله (فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) .
ثم ذكر - جلَّ جلالُه - عظيم قولهم وشنيع افترائهم، وشهادة جميع الخليقة بالتوحيد،
وصمودها قانتة له، وأن كل الموجودات عُلُوًّا وسفلا خلق له وعبيد مملوكون، فأنى
يكون له من خلقه وعبيده ولد - عز وجل - ؟! إلى قوله: (كن فَيَكون) ينصرف
أيضًا وجه الخطاب إلى الأميين.
قال عز قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ...(118)
اليهود لما تجمعوا في الكفر تشابهت قلوبهم وتشابه اقتراحهم،
إنما ينفع العلم والعقل مع الإيمان، كذلك إلى قوله عز قوله:(قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ).
والآيات المبينات هو ما أودع الله - عز وجل - العالم كله من الشواهد، وملأه من
الدلائل الدالة على الوحدانية، وأنه الأحد الصمد الذي (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)
وأنه لا كفو له، كيف وهو بديع على ألا شريك له ولا ولد؟ كيف
وهو بديع السماوات والأرض آن يكون له ولد ولا كفو له؛ كيف يكون له ند أو
شريك وولد والكل ملكه وعبده قانت لعظمته يسبح بحمده؟.
ثم أمره بالتولي والإعراض عنهم معِ التبليغ إليهم، فقال عز من قائل: (إِنَّا