مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) هذه نصيحة من الله جل
ذكره للمؤمنين، وإعلام لهم بقلة نصيحة أهل الكتاب في الله جلَّ ذكره؛ إذ الدين
النصيحة لله وللرسول وللكتاب [....] وإنما هي منسأة، دل على ذلك قوله جل:
(حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) ثم صرف - جلَّ جلالُه - الخطاب إلى أوله من ذكر
أمانيهم وضلالتهم بالبرهان على صدق ما تمنوه، وما اعتمدوا عليه من كاذب
ظنونهم بقول عز قوله: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) إلى
قوله تعالى: (صَادِقِينَ) .
ثم ذكر تعالى تكذيب بعضهم بعضًا، وفي ذلك منهم تكذيب كل فريق لكتابه،
إذ كتاب كل فريق منهم مصدق لما بين يديه ولما خلفه بقوله عز قوله: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ...(113)
أي: وفي كل كتاب تصديق كتاب صاحبه.
يقول الله جلَّ ذكره: (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ)
يعني: العرب ومن لا كتاب له، فاستوى علمهم بكتابهم في هذا الوجه، يكفر من لا علم له ولا كتاب.
ثم صرف - جلَّ جلالُه - وجه الخطاب إلى الإخبار عن النصارى بقوله جل قوله:(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ
أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ)يعني: النصارى، ومساجد ما هنالك هو
بيت المقدس وما حوله من المساجد.
ويتوجه بهذا الخطاب أيضًا إلى قريش؛ لمنعهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين الحج
والعمرة وعمارة بيت الله الحرام، والمؤمنون هم أولياؤه، ولهم طهره إبراهيم
وإسماعيل - صلوات الله عليهما وسلامه - ولهم رفعا قواعده، ولهم بنوا بإذن
ربهما، والمشركون نجس، ولكن أكثرهم لا يعلمون.
وقوله جل قوله: (مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) والله أعلم فرع لنسخ
القرآن القبلة، والوجه إلى بيت المقدس.
(فصل)