قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9) . وكما يحفظ
من الشَّيَاطِين وشوائب النفوس كذلك يحفظه - عز وجل - من النسيان، وقد ضمن له - عز وجل -
جمعه في صدره وقراءته، وهو المقدار الذي يتأوله (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى)
أي: المقروء (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) هو السنة، فإنه - جلَّ جلالُه - قد قرأ،
أي: جمع الحكمة من قلب الملك - عليه السلام - وصدره، ثم من لطيف بره وتدبيره له أن
جعل تلك بذرة هيَّأها لينبتها إلى نهايتها، وطرق إليها النسخ والنسيان.
ألا ترى أنه لم يقل جل قوله:"ما ننسخ من القرآن من آية"وإنما قال:(مَا
نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ)وكلها آياته (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) أي: من القرآن، أو مثلها من السنة
(أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من الوحي.
ويمكن أن يكون ما ينسيها حكم الآية كالمجمل ليس من شرطه أن يقرن بيانه
بوقت نزوله قبل وقت الحاجة إلى امتثاله، أو يرد عليه من القرآن ما لم يعلم المراد
به، والنسيان يقع على زوال الذكر، وزوال الذكر قد يقع بالذهول والغفلة(فَأَنْسَاهُمْ
أَنْفُسَهُمْ)أي: أغفلهم وأذهلهم عن النظر والأخذ بالوثيقة في النجاة
لها، ويقع زائدًا على ذلك بالترك (الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا)
ولأن يوجه الخطاب إلى معنيين أولى من أن يوجه إلى معنى واحد، لا
سيما وهو يحتمل معنيين.
قوله - جلَّ جلالُه -: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) وليس إلا الكتاب والسنة،
وقد نسخ القرآن الكتب قبله إلا ما شاء الله مما شاء إقراره وإمضاءه، ولم يأتِ أن
القرآن ناسخ ينسخه إلا قول قائل لا يرجع إلى أصل وثيق، وقد نسخت السنة السنة،
والنسخ يتناول الكتاب قبله من التوراة والإنجيل والسنة كنسخه:"وإنما الماء من"
الماء"بقوله:"إذا التقى الختنان وجب الغسل"ونسخه:"الوضوء مما مسته
النار"ونحو ذلك."
وما ورد في القرآن العزيز من ناسخ ومنسوخ فمعلوم، وهو قليل قد يسر الله