الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}
يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَاللَّهُ يَقْضِي فَيَفْصِلُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُخْتَلِفِينَ الْقَائِلُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ يَوْمَ قِيَامِ الْخَلْقِ لِرَبِّهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَيَتَبَيَّنَ الْمُحِقُّ مِنْهُمْ مِنَ الْمُبْطِلِ بِإِثَابَةِ الْمُحِقِّ مَا وَعَدَ أَهْلَ طَاعَتِهِ عَلَى أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ وَمُجَازَاتِهِ الْمُبْطِلَ مِنْهُمْ بِمَا أَوْعَدَ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَمِلَلِهِمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا.
وَأَمَّا الْقِيَامَةُ فَهِيَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: قُمْتُ قِيَامًا وَقِيَامَةً، كَمَا يُقَالُ: عُدْتُ فُلَانًا عِيَادَةً، وَصُنْتُ هَذَا الْأَمْرَ صِيَانَةً.
وَإِنَّمَا عَنَى بِالْقِيَامَةِ: قِيَامَ الْخَلْقِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّهِمْ، فَمَعْنَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: يَوْمُ قِيَامِ الْخَلَائِقِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِمَحْشَرِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) }
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الظُّلْمِ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ} وَأَيُّ امْرِئٍ أَشَدُّ تَعَدِّيًا وَجَرَاءَةً عَلَى اللَّهِ وَخِلَافًا لِأَمْرِهِ مِنِ امْرِئٍ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ فِيهَا؟ وَالْمَسَاجِدُ جَمْعُ مَسْجِدٍ: وَهُوَ كُلُّ مَوْضِعٍ عُبِدَ اللَّهُ فِيهِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى السُّجُودِ فِيمَا مَضَى فَمَعْنَى الْمَسْجِدِ: الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْجَدُ لِلَّهِ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُجْلَسُ فِيهِ: الْمَجْلِسُ، وَلِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْزَلُ فِيهِ: مَنْزِلٌ، ثُمَّ يُجْمَعُ مَنَازِلُ وَمَجَالِسُ نَظِيرُ مَسْجِدٍ وَمَسَاجِدَ. وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ مَسَاجِدَ فِي وَاحِدِ الْمَسَاجِدِ، وَذَلِكَ كَالْخَطَأِ مِنْ قَائِلِهِ