فإذا علموا تعلّموا ، وأن طبيعتهم قابلة للتعليم لا أنهم كغيرهم في إصرارهم ، لأنه شاهد من كبارهم إذا عرض عليهم القرآن وخوطبوا بخطاب العقل ووعوا ما يخاطبون به وسلموا من العصبية والنوازع الأخرى فإنهم يستجيبون حالاً كما حدث لعمر وغيره رضي الله عنهم إلا من أعلمه الله بحاله مثل الوليد بن المغيرة {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً} [المدثر: 11 - 14] - إلى قوله - {كَلاَّ إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} [المدثر: 16 - 17] - إلى قوله - {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} [المدثر: 26] فعلم صلى الله عليه وسلم حاله ومآله ، ولذا فقد دعا عيله يوم بدر.
ومثله أبو لهب لما تبين حاله بقوله تعالى: {سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ وامرأته حَمَّالَةَ الحطب} [المسد: 3 - 4] فلكون العرب أهل فطرة ، ولكون الإسلام دين الفطرة أيضاً كانت الاستجابة إليه أقرب.
انظر مدة مكثه صلى الله عليه وسلم من البعثة إلى انتقاله إلى الرفيق الأعلى ثلاثاً وعشرين سنة ، كما عدد من أسلم فيها بينما نوح عليه السلام يمكث ألف سنة إلا خمسين عاماً فلم يؤمن معه إلا القليل.
ولذا كان قول نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام {وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} [نوح: 27] ، كان بدليل الاستقراء من قومه ، والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً} [نوح: 26] ، لم يبن هنا هل استجيب له أم لا؟ وبينه في مواضع أخر منها قوله: {وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ فاستجبنا لَهُ} [الأنبياء: 76] .