وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب ، بعدُ: أما ود ، فكانت لكلب بدومة الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غُطَيف بالجرف عند سبأ ، وأما يعوق فكانت لهمذان ، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكَلاع: أسماء رجال صالحين من قوم نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبُوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد ، حتى إذا هلك أولئك ، وتَنَسَّخَ العلمُ ، عُبدت .
تنبيهات:
الأول: قال الرازيّ: في انتقالها عن قوم نوح إلى العرب إشكال ، لأن الدنيا قد خربت في زمان الطوفان ، فكيف بقيت تلك الأصنام ، وكيف انتقلت إلى العرب . ولا يمكن أن يقال: إن نوحاً عليه السلام وضعها في السفينة وأمسكها ، لأنه عليه السلام إنما جاء لنفيها وكسرها ، فكيف يمكن أن يقال: إنه وضعها في السفينة سعياً منه في حفظها ؟ انتهى كلامه .
ونحن نقول: إن جوابه بديهي ، وهو أن انتقالها إلى العرب بواسطة نقل أحوال قوم نوح وأبنائهم وعوائدهم ، على ألسنة الرحّل والسمّار ، لأن سيرة القرن المتقدم في العصر المتأخر ، وسنّة الخالف أن يؤرخ السالف . وجلي أن النفس أميل إلى الجهل منها إلى العلم ، لاسيما إذ زين له المنكر بصفة تميل إليها ، فتكون ألصق به . وهكذا كان بعد انقراض العلم وحملته ، أن حدث ما حدث من عبادتها ، كما أشارت إليه رواية ابن عباس عند البخاري: حتى إذا هلك أولئك ، وتَنَسَّخ العلم ، عبدت . وعجيب من الرازيّ أن لا يجد مخرجاً من سؤاله ، وهو على طرف الثُمَامِ .